«جغرافية السعادة» هو قبل كل شيء كتاب وثائفي عن رحلات الأفكار ، كما يصفه مؤلفه الذي يؤكد أنه جاب العالم بحثا عن إجابات عن أسئلة ملحّة في هذا الزمن.

إنها أسئلة من نوع: ما هي المستلزمات الأساسية من أجل العيش الجيد ؟ و»لماذا تكون بعض الأمكنة أكثر سعادة من أخرى ؟ و كيف يتأثر البشر بالأمكنة المحيطة بهم ؟إن البحث عن «جغرافية السعادة» يستدعي بالضرورة، كما يقول المؤلف المرور في أماكن تنتمي بالأحرى إلى جغرافية البؤس ، مثل البلدان الأقل سعادة في العالم اليوم كالعراق وأفغانستان وحيث يتواجد البشر الأقل سعادة مثل اللاجئين ويتامى الحرب. ويرى المؤلف أن الحل قد يكون أحيانا هو مجرّد تغيير المكان كي تتغير الحياة . وهو يستعرض في الكتاب الخطوط العريضة لمثل هذه الفلسفة .

الفكرة السائدة اليوم عن «جغرافية السعادة» تقول إن الأمم الحرة تنتج شعوبا وبشرا سعداء. هذا ما أكّده على الأقل، على مدى عقود عديدة، رجال سياسة ومحللون في العديد من السياقات. وهذا ما يعارضه مؤلف هذا الكتاب بقوّة بناء على تجربته الشخصية وعلى قراءة التاريخ وأيضا.

وخاصة، على أساس ما يسميه بـ «علم السعادة». وكذلك بالاعتماد على استطلاعات وإحصاءات تشير إجمالا إلى أن الشعوب الإفريقية السوداء ـ شعوب جنوب الصحراء كما شاعت التسمية ـ هي أكثر سعادة من العديد من بلدان أوروبا الشرقية والوسطى التي أصبحت في عداد الدول الديمقراطية إثر انهيار جدار برلين في خريف عام 1989. المثال البليغ الذي يقدمه المؤلف على البلدان الأقل سعادة هو مولدافيا وأغلبية بلدان أوروبا الشرقية والوسطى الشيوعية سابقا .

الوجه الآخر لمثل هذه الملاحظة هو التأكيد على خطأ الربط بين الديمقراطية والسعادة. فـ «الأمم الديمقراطية» ليست هي الأمم الأكثر سعادة وهذا يترتب عليه خطأ المقولة الشائعة المتمثلة في التأكيد أنه يكفي تبنّي دستورا ديمقراطيا من أجل ضمان الحياة السعيدة إلى الأبد .

وينقل المؤلف في هذا السياق عن رونالد انغليهارت ، الأستاذ في جامعة ميتشغان، قوله: التأكيد أن الديمقراطية تجعل البشر سعداء آليا إنما هو مثل قول ان الذنب هو الذي يحرّك الكلب . ما يريد المؤلف قوله هو ان ليست الديمقراطية هي التي تجعل البشر سعداء ولكن الشعوب السعيدة هي التي تصنع الديمقراطية. لكن هذا لا يمنع أن البلدان الغنية هي اليوم الأكثر سعادة وأنها تستفيد من مناخ اجتماعي هادئ ومن ديمقراطية ثابتة الأركان . وهذا المناخ يشكل مقدّمة لولوج عالم السعادة .

وما يؤكّده المؤلف أيضا في تحليلاته حول جغرافية السعادة هو أنها ليست خاضعة للتقسيم على أساس اقتصادي أو على أساس الجغرافيا الطبيعية . هذا ما توصّل إليه عبر تقصّياته في العديد من البلدان والمناطق مثل أيسلندا وهولندا وقطر وسويسرا وتايلاند والهند وغيرها. ويرى أن ايسلندا والدانمارك بلدان سعيدان بينما أنه وجد قطر ، رغم غناها الكبير أقل سعادة . والكتاب غني بالمقارنات العديدة من هذا النوع.

إن المؤلف يصل من خلال عملية الجرد التي يقوم بها، وبالاعتماد على مساهمات علماء النفس وما قدّموه من معلومات حول السعادة، وحول من هم السعداء ومن هم التعساء، إلى القول ان الهولنديين سعداء و الرومانيين ؟سكان رومانيا ـ ليسوا سعداء ، و الأميركيين تتراوح حالتهم بين الوضعين . لماذا؟ هذا بالتحديد ما يحاول المؤلف أن يجيب عنه عبر إنجاز نوع من العمل الوثائقي الخاص بأماكن تواجد السعادة في عالم اليوم.

ويبدو المجتمع الأميركي أنه بـ «امتياز» مجتمع كل التناقضات. وتبقى السعادة هي نتاج نوع من فلسفة الحياة والرؤية إلى العالم. هكذا يعيد المؤلف تعاسة المولدافيين إلى أنهم يجدون متعة في فشل جيرانهم أكثر مما يجدونها في نجاحاتهم هم .

ومن الملاحظ أن الآراء التي يخرج بها هي نتاج لقاءاته مع البشر الذين يصادفهم في المقاهي وفي حافلات النقل والذين وجّه لهم أسئلة بسيطة من نوع: هل أنتم سعداء الآن حيث تعيشون؟ تتعدد الإجابات وقد يكون الصمت أحيانا أكثرها بلاغة ، كما يشير.

ويؤكد في كل الحالات على أهمية العلاقة مع المكان . ويرى أنه بعد أن تنقطع العلاقات مع البشر، كما في حالة رجل فقد زوجته في بلدة سلوغ القريبة من لندن، لا يبقى سوى المكان، وتصبح مغادرته عملا شبيها بالخيانة . وتغدو السعادة هي البقاء حيث كان الذين نحبهم ولو أننا لا نحب المكان نفسه ذلك أن الذاكرة، مثل السعادة، يبدو أنه لها عنوانها أيضاً .

ويحاول المؤلف أن يجد مرجعيات تحليلاته في العلم، وتحديدا في علم السعادة . لكن هذا العلم مثل غيره من العلوم قابل للتطور من حيث المعايير التي يستخدمها.

فإذا كانت الديمقراطية هي شرط لازم لسعادة الشعوب خلال الثمانينات من القرن الماضي فإنها لم تعد كذلك بعد بروز ديمقراطيات جديدة على أنقاض الاتحاد السوفييتي السابق.

والمثال المولدافي يقفز دائما إلى الواجهة حيث يؤكد المؤلف أن المولدافيين كانوا أكثر سعادة في ظل النظام السوفييتي مما هم الآن في أحضان الديمقراطية . هذا على الأقل بالنسبة لقسم كبير منهم.

الكتاب: جغرافية السعادة

تأليف: اريك وينير

الناشر: تويلف نيويورك 2008

الصفحات: 352 صفحة

القطع: المتوسط

The geography of bliss

renieW cirE

8002 - kroY weN -evlewT

P.352