أجرت مجلة «بروكلينر» الثقافية المتخصصة هذا الحوار مع الروائي والشاعر والسينمائي الأميركي بول أوستر مع صدور روايته الجديدة «رجل في الظلام» التي أوضح أنها عمل سياسي تقع أحداثه كلها في ليلة واحدة، لكنها لا تقتصر على كونها كذلك، وإنما تمتد إلى رؤية أكثر شمولية.

وألقى الضوء على جوهر عملية الكتابة وطقوسها بالنسبة، وتطرق إلى مساهماته في الفن السابع مخرجاً وكاتباً للسيناريو، وأشار إلى توقعه تقديم روايته «بلاد الأشياء الصغيرة» على الشاشة الفضية قريباً بعد انتظار دام عدة سنوات. وفيما يلي نص الحوار:

وصفت روايتك الجديدة «رجل في الظلام» بأنها رواية سياسية. ما مدى دقة هذا الوصف في اعتقادك؟

إنها رواية سياسية ببعض المعاني، وهي بمعنى آخر رواية عائلية، وهي أيضاً رواية عن الذاكرة. إنها أمور عديدة في وقت واحد. والشيء الجوهري الذي تنبغي معرفته هو أنها تدور حول رجل في أوائل السبعينات من عمره، وقد ماتت زوجته في العام الماضي، وتعرض لحادثة سيارة سيئة أطاحت بساقيه وجعلته طريح الفراش إلى حد كبير، وهو يقيم في الريف مع ابنته وحفيدته.

والابنة في الأربعينات من عمرها، والحفيدة في العشرينيات. وثلاثتهم في الدار وحدهم، وكل منهم يعاني لأسباب مختلفة. وأحداث الكتاب كله تقع في ليلة واحدة فيما هو راقد في الفراش، وقد جافاه النوم. وهو يخترع القصص ليمضي الوقت وليبعد عن نفسه ذكريات لا يرغب في أن تعاوده. والقصة الأطول التي يرويها لنفسه خلال الليلة هي حكاية خيالية تماماً عن حرب أهلية تنشب في الولايات المتحدة. ولذا فهناك السياسة، ومن المؤكد أن حرب العراق هي عنصر في الكتاب، ولكنه أكثر من ذلك.

لقد تعرضت أنت نفسك لحادثة سيارة أقعدتك بصورة مؤقتة، والمرء لا يمكن إلا أن يتساءل عما إذا كانت رواية «رجال في الظلام» هي تصور سوداوي لحياتك؟

لست أدري حقاً. لقد حققت هذا الانجاز الكبير عندما ألقت كتابي «رحلات في قاعة النساخ»، وهو كتاب قصير عن رجل عجوز في غرفة. وقد بدأ ذلك الكتاب لم أستطع التخلص منها، فقد كانت هنالك فحسب، يوماً بعد آخر، وأسبوعاً بعد آخر. كانت تطاردني فحسب.

وكان الأمر بسيطاً، فهناك عجوز يرتدي كمامة ويجلس على حافة الفراش، ويداه على ركبتيه، وقد انتعل خفاً جلدياً، ومضى يحدق في الأرض. هذا هو ما واصلت رؤيته، وبعد بعض الوقت قلت إن عليَّ البدء في استكشاف هذه الصورة. ما الذي تعنيه؟ لم أرها طوال الوقت؟

وخلصت إلى أنه ـ لست أدري ما إذا كنت على صواب من عدمه ـ ربما كان ذلك تجلياً لنفسي بعد عشرين أو ثلاثين عاماً من الآن، ذاتي باعتباري رجلاً عجوزاً. وقد جاء الكتاب من ذلك. وكتابي الجديد هذا هو بالقطع رد فعل على «رحلات في قاعة النساخ»، فهما يمضيان معاً. «الرحلات» تقع أحداثه في يوم واحد، و«رجل في الظلام» تقع أحداثه في ليلة واحدة.

هل تشعر بأن «رجل في الظلام» باعتباره رد فعل على «الرحلات» هو بشكل ما عمل لم ينته؟ هل هذا هو السبب في أنك تعكف الآن على تأليف كتاب ثالث؟

أعتقد أن هناك نوعاً من الجدل الداخلي يدور في ذهن الكاتب، فأنت تبدأ شيئاً، ثم تفكر في النقيض، في رد فعل، وتلك هي بالقطع الطريقة التي يعمل بها الذهن، فهناك عمل يرد علي آخر أو يناقضه أو يخربه أو يمضي به في اتجاه مختلف تماماً.

وعلى سبيل المثال، في وقت مبكر من الثمانينات قمت بتأليف رواية بعنوان »قصر العمر«، وأحد آخر الأمور التي تحدث فيها يتمثل في قيام الراوية البطل بالانطلاق عبر الغرب الأميركي في سيارة حمراء، وهذه السيارة تسرق منه، فيواصل رحلته إلى كاليفورنيا سيراً على الأقدام.

الآن، وبعد أن فرغت من ذلك الكتاب فقد قلت لنفسي: أريد أن أعود إلى تلك السيارة الحمراء . وهكذا فقد بدأت كتابي التالي وهو موسيقى الصدفة برجل ينطلق راكباً سيارة حمراء. والكتابان لا علاقة لأحدهما بالآخر، ولكن هناك تلك الصلة، وهي السيارة الحمراء.

لقد قلت ذات مرة عن عملية الكتابة لديك: في كل يوم تتعلم مدى حماقتك . هل لا يزال ذلك صحيحاً؟

بالقطع. إنه أمر مروع. فأنت ترتكب العديد من الأخطاء في غمار تأليف رواية ما. ويسطر قلمك الكثير من العبارات السيئة بحيث ان الأمر يبعث على الشعور بالإذلال. وأنا جاد في قولي هذا. وأنا أشعر بالحماقة البالغة معظم الوقت، ولكنك تواصل الانطلاق، وإذا كان المشروع جديراً بالانجاز، فإن شيئاً سيحدث، وستصل إلى مرحلة الانجاز.

والفارق بين أن تكون شاباً ومتقدماً في العمر، هو أنك عندما تكون أصغر سناً أنك إذا تعرضت للعراقيل، فإن الذعر يستولى عليك، وتعتقد أن المشروع بكامله سيتهاوى، ويغدو نثاراً، وانك لن تستطيع الانطلاق إلى الأمام. أما الآن فإنني أعرف أن العمل إذا كان جديراً بالانجاز فإنني سأجد طريقة للقيام بذلك، لأن العمل موجود بالفعل بشكل من الأشكال بداخلي، وكل ما علي هو مواصلة الحفر أعمق، وبالفعل سأعثر عليه وانتزعه لنفسي انتزاعاً.

لقد بدأت في وقت متأخر نسبياً من حياتك العمل كروائي. وكتابك «من اليد إلى الفم» يقدم تفاصيل عملك قبل أن تصبح كاتباً، بما في ذلك العمل بحاراً ومترجماً وصانع ألغاز، وبمقدورك أن ترى كيف أثرت هذه الأعمال على إبداعك. فهل ينبغي على الكتاب العمل خارج ميادينهم؟

نعم، هذا صحيح، ولكن هذا كان منذ زمن بعيد، حيث إنني اشتغلت بهذه المهن في العشرينيات وأوائل الثلاثينات من عمري، ولكن تلك تجارب يتعذر محوها، وأنا سعيد بالأنواع المختلفة من الأشياء التي قمت بها في مطلع العمر والناس المختلفين الذين قابلتهم في رحلاتي.

وقد وجدت أن المهن العمالية أكثر إثارة للاهتمام من وظائف ذوي اليافات البيضاء، فأنت تميل إلى لقاء أناس جذابين وإلى تعلم المزيد.

والعمل مفجر للطاقات، وقد تعلمت الكثير من تلك التجارب. وقد كانت هناك فترة طويلة كسبت منها عيشي من العمل مترجماً، ولكن ذلك كان معناه الجلوس إلى مكتبي طوال الوقت، حيث كنت أترجم لأكسب مالاً، ثم أحاول نظم القصائد وكتابة المقالات جالساً إلى المكتب نفسه وعلى المقعد ذاته طوال اليوم، ولست أدري ما إذا كانت تلك هي أفضل طريقة للعيش.

منى مدكور