في إطار سلسلة «أعلام الأدب السوري» ، التي تصدرها الأمانة العامة لاحتفالية دمشق عاصمة للثقافة العربية للعام 2008، صدر، مؤخرا، كتاب «سعيد حورانية، خبز الواقعية المر» أعده الناقد والقاص السوري احمد جاسم الحسين.

يتضمن الكتاب دراسة نقدية وافية كتبها الحسين، تتناول تجربة حورانية القصصية، وتسعى إلى رصد جماليات قصصه الملتصقة بحرارة الواقع، وتعقد مقارنة بين أجواء، وظروف هذه القصص، وبين الحياة التي عاشها حورانية فعليا..وتحاول هذه الدراسة إظهار الملامح والسمات الرئيسة في قصص حورانية، وتتحدث عن بعدي المكان والزمان فيها، ودلالات هذين العنصرين، وتشرح طبيعة الأساليب السردية التي لجأ إليها حورانية، واللغة التي اعتمدها.

والواقع أن هذه الدراسة لا تقدم «مديحا مجانيا» لنصوص حورانية، بل تتصيد الأخطاء والهفوات والثغرات التي وقعت فيها هذه النصوص، وهي، بهذا المعنى، دراسة موضوعية تشير إلى مواطن الخلل، مثلما تثمّن الجوانب المدهشة والأصيلة، لتتوصل إلى نتيجة مفادها أن حورانية كان صاحب خصوصية متفردة في المشهد القصصي السوري، وقد أسس لتجربة نافرة لا يمكن، بأي حال، تجاهلها أو القفز فوقها.

إلى جانب هذه الدراسة يحوي الكتاب ثلاثة حوارات أجريت مع حورانية، ونشرت، في حينه، في دوريات مختلفة، ومنها حوار أجراه الفنان التشكيلي السوري فاتح المدرس، وحوار أجراه كل من حسن يوسف ومحمود عبد الواحد، وحوار ثالث أجراه الشاعر الفلسطيني عز الدين المناصرة..

.وبعدما يقتطف الحسين شهادات قيلت في تجربة حورانية، وهذه الشهادات هي للروائي حنا مينه، وللشاعر العراقي سعدي يوسف، ولياسين رفاعية، ولمحمود الأطرش، ولممدوح عزام، ولمحمد كامل الخطيب، فانه يفرد الفصل الأخير من الكتاب لثلاث قصص اختارها كنماذج للقصة التي كتبها حورانية، وهذه القصص هي الصندوق النحاسي ، و الجنازتان وعريظة استرحام .

ولد سعيد حورانية في دمشق عام 1929م، وتلقى تعلميه فيها، وتخرج في جامعتها مجازا في الأدب العربي، ثم نال دبلوم التربية، وعمل في التدريس في سورية (في دمشق والسويداء والحسكة)، وفي لبنان، وترأس فرع سورية في رابطة الكتاب العرب في الخمسينات. أقام فترة طويلة في موسكو امتدت من مطلع الستينات حتى مطلع السبعينات حيث عاد إلى وطنه، وعمل في وزارة الثقافة حتى رحيله عام 1994م.

أصدر حورانية ثلاث مجموعات قصصية، هي: «وفي الناس المسرة» عام 1953م، و«شتاء قاس آخر» عام 1962م، و «سنتان..وتحترق الغابة» عام 1964م، فضلا عن نصوص مسرحية، مثل «صياح الديكة» ، و«المهجع رقم 6» ، إضافة إلى بعض المقالات التي نشرت في دوريات مختلفة، وطبعت في كتب مستقلة، مثل «سلاما يا فرصوفيا» ، و«عزف منفرد لزمار الحي» يتبين مما سبق أن حورانية لم يصدر سوى ثلاث مجموعات قصصية.

ورغم ذلك استطاع أن يتصدر المشهد القصصي السوري خلال نصف قرن، وقد سعى الكثير من الكتّاب إلى السير على خطاه، لكن حورانية بقي رائدا في مجال القصة القصيرة التي تنفذ إلى صميم الواقع، بكل صخبه، وحيويته، وهمومه، وآماله، وأحلامه..ساعيا إلى مساءلة هذا الواقع، وداعيا إلى عدالة اجتماعية مفقودة. وهو لم يحظَ باحتفاء نقدي يعادل مكانته الأدبية، ولعل في اختياره ضمن سلسلة أعلام الأدب السوري نوع من إعادة الاعتبار لتجربة قصصية ما زالت تثير الإعجاب، والتقدير.

يقول الحسين:حين أطل سعيد حورانية على المشهد القصصي السوري في الخمسينات أو قبلها بقليل، كان ذلك المشهد لا يزال في طور التشكل الأولي ينتظر المزيد من التجارب التي تكرسه، فكان حورانية احد الذين صنعوا تلك البصمة المنتظرة عبر قصصه التي تعمقت أكثر مع صدور مجموعاته، في وقت لم يكن يُراد من القاص يومئذ أن يكتفي بكتابة القصة ويمضي، بل كان مطلوبا منه أن يسهم بالحراك الفكري والاجتماعي والسياسي ، ويشير الباحث إلى أن حورانية ينتمي إلى جيل المؤسسين في حركة الأدب السوري بعامة، والقصة والرواية بخاصة .

ويلاحظ الحسين بان حورانية انشغل في عدد كبير من نصوصه بالغوص في أعماق شخوصه، بدلا من الاهتمام بمظاهرها الخارجية، وأحضر من أوصافها النفسية ما يكفي لإقناع المتلقي بها بحيث لا تبدو نافرة عن سياقاتها في محاولة للتعرف إلى حجم معاناتها، ورصد حالة الاغتراب الذي تعيشه في صراعاتها مع مجتمعها، فقد انكفأت نحو عوالمها الداخلية لتحدث عملية مكاشفة مع الذات، ممزوجة بشيء من البوح، وأسهمت هذه الطريقة في التعامل مع الشخوص في تكريس خصوصية حورانية .

وعلى مستوى اللغة ينوه الحسين بان حورانية كان معنيا بخصوصية لغوية على مستوى الاختيار والتركيب، وكان يملك معجما لغويا واسع الطيف ينم عن قراءات كثيرة، وفي الوقت ذاته طعمه بالكثير من مفردات الحياة اليومية...

ومما يسجل له انه كان عارفا باللغة المترهلة من اللغة الناقلة لنبض الحدث، وقصصه على الرغم من طولها، إلا أنها لا تنقل لنا الفائض من حاجة السرد، بل تبقى منشغلة بعالمها الفني الذي يدغدغ الكثير من مساحات التكون ..أما عن استعماله للعامية خيارا فنيا فتكمن خلفه، كما يعتقد الحسين، قناعة فكرية تتمثل في جعل القصة أكثر قربا من المتلقي .

ويعد المكان في تجربة حورانية مكونا رئيسا تتفاعل في محرقة التجربة القصصية لتصدر نصها الخاص، كما يعبر الحسين الذي يضيف بان عددا من قصصه تنسب لأمكنتها، وليس لأحداثها، ولولا تلك الأمكنة لخفت وهج تلك الأحداث .

ورغم الأجواء الحزينة، والكئيبة لقصص حورانية لكنه كان يتمتع بحس فكاهي، ونقدي قادر على التقاط المفارقة الحارة، والفكاهة المرة، والسخرية على مستوى أكثر المواقف جدية، وتأتي السخرية عفوا على لسان شخوصه وعناوينه، وقد لازمت السخرية نصه في بعديه السياسي والاجتماعي بخاصة في الحوار، في مسعى ـ كما يقول الحسين ـ للحفر في نفس المتلقي، ولتكثيف الحدث، ولكشف أن أكثر المواقف جدية في الحياة فيها من الطرافة ما فيها .

الكتاب: سعيد حورانية خبز الواقعية المر

تأليف: د.أحمد جاسم الحسين

الناشر: الأمانة العامة لاحتفالية دمشق عاصمة للثقافة 2008

الصفحات : 112 صفحة

القطع: المتوسط

ابراهيم حاج عبدي