يتناول كتاب «التنوير الآتي من الشرق» لمؤلفه جي. جي كلارك قضية الاستشراق في الهند والصين واليابان، ولا يكتفي المؤلف بدور الاستشراق كعامل هيمنة فحسب بل يضيف دلالات ومؤشرات ومفاهيم جديدة وجوهرية.
فيما يتعلق باهتمام الغرب بالصين يشير المؤلف إلا أنه كانت للجيزويت خطتهم في حدود المهام المرسومة لهم، وطبيعي أن كانت هذه الخطة هي هداية الصينيين، وأدركوا أن انجاز هذا الهدف يستلزم بالضرورة فهم نظرة الصين إلى العالم، والدخول معهم في نوع من الحوار. وبذلك كانوا حسب هذه الرؤية أول باحثين استشراقيين وأول من نقلوا إلى الغرب صورة عن الفلسفة الكونفوشية والنظرة الصينية إلى العالم.
يذكر المؤلف قائمة المفكرين الذين أبدوا ـ منذ التنوير وما قبله ـ اهتماماً يتجاوز حدود التوجه العابر بالفلسفة الشرقية، وتضم هذه القائمة مفكرين من أمثال مونتيني وما لبرانش وبايل وولف وليبنتز وفولتير ومونتسيكو وديدرو وهيلفيتيوس وكيزناي وآدم سميث، إذ افتتنوا جميعاً بفلسفة الصين وسلوك الدولة ونظامها التعليمي، وعمدوا بكل الوسائل الممكنة إلى أن يصطنعوا منها مرآة يرون فيها نموذجاً يحفز إلى انجاز إصلاح أخلاقي وسياسي ووجدوا فيها كذلك أداة لتجريد المسيحية من كل إدعاءاتها بالتفرد.
ويشير جي. جي كلارك إلى وجود خطوط متوازية مهمة بين الهوس بالهند في ألمانيا في المرحلة الرومانسية والهوس بالصين في فرنسا في مرحلة التنوير، ويمثل هذا دليلاً واضحاً على استمرارية عدد من الأفكار المشتركة مع الإشارة في الوقت نفسه إلى افتراضات وقيم مختلفة اختلافاً جذرياً.
ويتناول كلارك بشكل أكثر تفصيلاً بعض القوى الثقافية التي أسهمت في تنشيط الموجات الغربية الجديدة، إذ ظهر مع مطلع القرن العشرين عدد من الحركات التي شرعت في الاستجابة إلى العوامل التاريخية، فقد تم رواج جهود أرنولد وكارلوس، إثر مؤتمر (الأديان العالمي).
وكذلك الجهود التبشيرية لفيفكاناندا، وتأسيس جمعيات بوذية في أوروبا، خلال العقد الأول لهذا القرن، لقد أسهمت هذه العوامل جميعها في تشجيع الارتباط بالتعاليم الشرقية على نطاق واسع، واقترنت هذه العوامل المؤسسية بانفجار الاتصالات عن طريق الكلمة المطبوعة، وبالنسبة للفلسفة الأميركية يتجلى تميز هذه الفلسفة مقابل التراث الشرقي واضحاً خصوصاً في ما شهدته أميركا من ميلاد وحتى نضج ما يسمى بفكرة «السيرورة».
وهذه مدرسة فكرية قدمت فيها الأفكار الشرقية خصوصاً الأفكار البوذية دوراً مهماً، وفيما يتعلق بالحوار بين الأديان، ويشير المؤلف إلى أن أشهر داعية ممن استلهموا موقف الاحتواء ودعا إلى الوحدة بين الممارسات الروحية والرهبانية المسيحية الشرقية هو الراهب الترابي الأميركي «توماس ميرتون» (1915ـ 1968) وقرئت مؤلفاته على نطاق واسع، وحظيت بإعجاب كبير، كما أنه ألف عدداً من الكتب فضلاً عن المقالات التي حاول فيها تسليط الضوء على رحلته الروحية وتراث التأمل المسيحي والصوفية، مستعيناً في هذا بتعاليم وممارسات الحكماء الشرقيين الدينيين.
ويمكن القول عموماً ان جي. جي كلارك يقدم دراسة بانورامية لعملية التفاعل والتأثير الثقافي المتبادل بين فكر الغرب على مدى خمسة قرون ـ منذ عصر النهضة وحتى يومنا الراهن ـ وبين فلسفات وديانات وأفكار الشرق الأقصى، ويستشهد بوقائع التاريخ والنصوص والسير الذاتية، ليوضح تأثير الشرق في الفلسفة وعلم النفس والدين والتراث الفكري الغربي الحديث بعامة،.
وكيف كان فكر الشرق حافزاً للغرب لإجراء استبصار نقدي ذاتي، واستحداث كثير من النظريات والمباحث العلمية، وانبثاق وإفراز كثير من الجمعيات والمؤسسات والحوارات الفكرية والدينية، ويفند إدعاءات الغرب بأنه على الرغم من العولمة غير مدين بشيء للشرق.
الكتاب: التنوير الآتي من الشرق
تأليف: جي. جي كلارك
ترجمة: شوقي جلال
الناشر: سلسلة عالم المعرفة الكويتية ديسمبر2007
الصفحات: 421 صفحة
القطع: المتوسط
حواس محمود
