في كتابه الصادر حديثا عن مركز المحروسة للنشر والخدمات الصحافية والمعلومات بعنوان «التربية والأيديولوجيا.. دراسة في العلاقة بين التربية وبنية النظام السياسي » ، يعالج د.شبل بدران وهو واحد من أهم خبراء التعليم في الوطن العربي، قضية بالغة الخطورة.

وهي العلاقة بين النظام السياسي السائد وبين التعليم كقيمة تربوية، فكيف يؤثر النظام بمكوناته المتناقضة والمتصارعة أحيانا، في العملية التعليمية، هل يوظفها لخدمة أغراضه وتكريس الأوضاع السائدة أم أنه حريص فعلا على خلق نظام تعليمي قوي يرسخ قيم الحرية والديمقراطية وثقافة حقوق الإنسان، ولماذا يلجأ إلي المنظمات الأجنبية لتمويل نظامه السياسي.

وما جرى في التعليم المصري منذ عام 1985 وحتى عام 2007 وهي الفترة التي شهدت اضطرابا واضحا في سير التعليم المصري وخروج الجامعات المصرية من تصنيف الجامعات الأهم في العالم، هل الدور السياسي في إضعاف التعليم سبب في ذاته أم أن انفصال التعليم عن الواقع وعدم تحديد الهدف من العملية التعليمية، ماذا نريد بالضبط لخلق مواطن عصري على خلفية التعليم الذي تلقاه.

ولتوضيح فكرته قسم د. شبل بدران كتابه إلى ثمانية فصول ليحيط بكل الأسباب والعلاقات المتشابكة بين التعليم والنظام السياسي وكيف يغرس هذا النظام نوعا من التربية يسهم في خلق مواطن مصري صالح من عدمه.

فالإطار الذي يتحرك فيه النظام التعليمي وما يتخذ من سياسات واستراتيجيات وتوظيف للتعليم قد يجعل منه وسيله لتحقيق أغراض أحد طرفين : طرف يجعله أداة لإعادة إنتاج العلاقات القائمة من خلال مناهج تنتج نمط الشخصية المتكيف والمطيع والقانع والمنفصل والمغيب المعي والمغترب لكي ينسجم ويتسق مع أيديولوجية السلطة السياسية التي تسيطر على مقاليد الحكم.

ويتخذ لذلك أساليب الترويض الفكري والإذعان والاستسلام والقهر وأحيانا ليضمن ما عرف بالوظيفة المحافظة للنظام التعليمي ويصطنع في سبيل ذلك ما يراه مناسبا من أنواع المعارف ومتطلبات التفكير وأنواع المقررات والامتحانات وغيرها من المناهج الرسمية، فضلا عما يتخذه من مناهج وأساليب خفية مستترة ومتضمنة بين ثنايا العملية التعليمية والمناخ الدراسي..

والوقائع التي تدين نظام التعليم المصري في ذلك كثيرة وغير خافية واستدعي بعضها تدخل الرئيس شخصيا كما جري مع آلاء التي كتبت رأيها الشخصي في موضوع إنشاء في الامتحان وكيف تزلزل المسؤولون وحققوا معها وما جري مع التلميذ الذي كتب عبارة يشتم منها رائحة سياسية مثل جملة : شعب مظلوم وحاكم ظالم وما جري له ليس بعيدا عن الأذهان.

يقول د.شبل بدران : كان التعليم ومازال أحد أهم مجالات الصراع الاجتماعي والسياسي في الوطن العربي خلال القرن العشرين، حيث استطاعت القوى الوطنية المناهضة للاستعمار الداخلي والخارجي ولكافة صنوف القهر والتسلط أن يكون التعليم أحد آلياتها وأدواتها الحادة في مواجهة الهيمنة والاستبداد، ذلك انطلاقا من أن التعليم في جملته يشيع العلم والاستنارة العقلانية بين طلابه والراغبين فيه.

وذلك على الرغم من أن التعليم يعد أحد أجهزة الدولة الأيديولوجية التي تسير بالأيديولوجيا غالبا وأحيانا بالعنف، إلا أن النظام التعليمي يتمتع بقدر من الاستقلالية تتيح له أن يساعد في تكوين وتشكيل وعي الأجيال الجديدة بصورة معاكسة لما ترسمه الدولة من خطط وسياسات وتضعه من برامج ومناهج دراسية لتدجين ونمذجة المواطن،.

وذلك من خلال «المنهج الخفي» ذلك المنهج الذي يعبر عن مجمل التفاعلات الاجتماعية في محيط المدرسة وبيئة التعلم، وصلاحيات الإدارة المدرسية التي تتباين وتتنوع من مدير وقائد إلى آخر حسب الإطار الفكري والمرجعي الذي ينتسب إليه.

من هنا فإن القول دائما بأن النظام التعليمي هو تعبير بصورة أو بأخرى عن طبيعة وبنية النظام السياسي وتوجهاته العامة، قول صحيح إلى حد ما، لكن علينا ألا نغفل دور المؤسسة التعليمية في محاولات الإفلات من تلك القبضة المهيمنة على مجمل حركة النظام التعليمي والمدرسي على وجه التحديد.ويتساءل د.شبل : هل يعطينا تعليم كهذا مواطنا يصلح لأي شيء؟ وهل يمكن أن يكون التعليم والقيم التربوية المتضمنة فيه ذلك أي يحقق ما يصبو إليه الطرف الآخر سعيا للتحرر والإتقان والإبداع في سياق نظام سياسي اجتماعي ينشد دفع حركة التطوير المجتمعي.

مؤكدا تنمية طاقات الفرد إلي أقصي ما يمكن أن تبلغه، ومستهدفا تكوين الإنسان الواعي بذاته وبما حوله وذلك بجعله كائنا فاعلا قادرا على صناعة مجتمعه وتاريخه وفي سبيل ذلك لا يتخذ من المعلومات المقررة إلا ما هو مادة لتنمية العقل الناقد والإدارة الفاعلة هذان الطرفان في النظر إلى العملية التعليمية شكلا صورتها فيما يزيد على خمسة وعشرين عاما يضاف إليهما ما تطلبه المنظمات الدولية من نوع محدد للتعليم المصري تقدم بناء عليه معوناتها له.

لقد كتبت فصول هذا الكتاب في الفترة من عام 1985-2007 وكانت في الأصل ورقة بحثية واحدة حاول فيها المؤلف تبيان العلاقة الجوهرية والجدلية بين الأيديولوجيا كنظام معرفي ووعي طبقي يرتبط ببنية النظام السياسي السائد إحدى والتربية باعتبارها أحد الأدوات الأيديولوجية التي تسير على حد قول «لوى التوسير» بواسطة الأيديولوجيا غالبا وأحيانا بواسطة العنف وهي تعين النظم السياسية الحاكمة على تكريس الأوضاع الطبقية والثقافية السائدة وعلى إعادة إنتاج المعرفة بشكلها الراهن. ومن خلال البحث والدراسة اتضح له أهمية وخطورة الموضوع وأن الاكتفاء بالدراسة الأولي ؟

النظرية ؟ سوف تفقد مصداقيتها بغياب تطبيقي على مجتمع بعينه لذا تطورت الورقة الأولي وأصبحت دراسات حول موضوع (الأيديولوجيا والتربية) ثم تطورت مرة أخري وأصبحت فصول هذا الكتاب جميعها .

وكان ذلك التطور والامتداد بحوارات ونقاشات واسعة مع العديد من الرفاق، كذلك اتضح له غياب مثل تلك الدراسات فيما يتعلق بالميدان التربوي، لهذا تعد تلك الدراسة جهدا ينتظر أن يواصله المهتمون بالبحث والدراسة في وطننا العربي الكبير لأنه مجال ما زال بكرا وفي أشد الحاجة إلى تعميق الرؤية وشموليتها في النظر إلى النظام التربوي والتعليمي الأوضاع الطبقية السائدة ويساعد الطبقة ويساعد الطبقات الحاكمة على تدعيم مواقعها وبث أيديولوجيا من خلال الجهاز المدرسي والمنظومة التربوية برمتها.

الكتاب: التربية والأيديولوجيا

تأليف: د. شبل بدران

الناشر: دار المحروسة القاهرة 2008

الصفحات : 338 صفحة

القطع: المتوسط

محمد الحمامصي