بين المسرح والتلفزيون بعض المساقات المتوافقة والكثير من المساقات المتباينة ولكنهما يبقيان وسيلتي اتصال مع الجمهور بآليات مختلفة في تكوين المشهد البصري الذي كان ينفرد به المسرح لقرون طويلة، وعلى الرغم من قصر عمر التلفزيون الذي لا يتجاوز الأربعين عاماً وعلى الرغم أيضاً من اعتماد التلفزيون في إنتاج الدراما على المشهد المسرحي في المكان والأداء.. تكنيكياً وإخراجاً..
إلا أن هذه الطفرة العالمية في الانتشار السريع والمذهل للفضائيات وبالتالي اتساع المساحات أمام الإنتاج الدرامي وتقديم كل ما يلزم لنموها وتطورها، وهذا الانقلاب العالمي في عالم التكنولوجيا والاتصال، وعوامل أخرى اقتصادية واجتماعية وسياسية، وضعت المسرح هذا الفن العريق والأصيل في منطقة الخطر، كماً ونوعاً.. إنتاجاً وانتشاراً.«أعطني مسرحاً أعطيك شعباً» هذه المقولة الرائعة التي تتردد منذ القرن التاسع عشر حتى يومنا هذا.. وفي القرن الرابع قبل الميلاد أكد العالم والفيلسوف الموسوعي أرسطو على أن «الهدف من العرض المسرحي هو ـ التطهير ـ أي إعادة التوازن إلى انفعالات المشاهد الخارجة عن طورها نتيجة الظروف الاجتماعية والمعيشية الضاغطة على كافة الأصعدة».
إن هذه الأهمية التي أدركتها البشرية للفن من خلال المسرح، التعبير البشري الإبداعي الأول ومع التطور الطبيعي لكافة مناحي الحياة يجب أن تبدع البشرية أنواعا جديدة من الإبداع تضاهي أو توازي الشرارة الأولى لهذا الخلق الإنساني المدهش فكانت السينما والتلفزيون.ورغم حداثة التلفزيون إلا أنه أصبح الرائد من غير شك من حيث المشاهدة، ذلك لأن هذا الجهاز المهم والخطير جاء إليك بكل ما يحمله من فنون وبرامج إيجابية أو سلبية إضافة إلى كونه أصبح صلة الوصل بين المشاهد والعالم وما يضج به من أحداث، وقد قدم التلفزيون مادة بصرية غاية في الإدهاش والإبهار لما توفر له من إمكانيات تقنية عالية المستوى ومدى تصويري غاية في الاتساع، بالإضافة إلى أنه داهمك في غرفة نومك دون عناء الاستعداد والذهاب إليه ودون خسائر مادية أو زمنية.
إن التطور المذهل الذي طرأ على العالم خلال الخمسة عشر عاماً الأخيرة في علم الاتصالات والفضائيات وضع بين أيدي القائمين على المحطات كل الإمكانيات اللازمة لإنتاج دراما متنوعة ومتطورة كماً ونوعاً.
في ظل المتغيرات الحاصلة على كافة الأصعدة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعلاقة المباشرة لهذه المتغيرات على جميع الفنون الإنسانية من أهمها المسرح والتلفزيون موضوع بحثنا علينا أن ندرك ما هي العوامل التي وضعت المسرح والمسرحيين في دائرة خطر التراجع وتأثير ذلك على المجتمعات العربية.
حاول المسرحيون في العالم العربي بذل جهود جبارة للمحافظة على ريادة المسرح «أبو الفنون» وتطوير أدواتهم لمواكبة هذه المتغيرات، إلا أن واقع حال المسرح الآن يشير إلى فشل هذه المحاولات لأسباب عدة أهمها:
أولاً: فقر الإمكانيات المادية التي تعتبر العامل الأساسي لإنتاج العرض المسرحي وعدم اهتمام المؤسسات الرسمية والخاصة.
ثانياً: عزوف الكثير من الفنانين والفنيين العاملين في المسرح عنه والتوجه إلى التلفزيون لتحقيق المكسب المادي والشهرة والانتشار.
ثالثاً: التقلص الواضح لجمهور المسرح واعتماده على إشباع حاجته الفنية البصرية على الدراما التلفزيونية لحصوله السهل والمريح عليها، أما المسرح فأنت تحتاج لأن تستعد للذهاب مهيأ له الوقت الذي يحتاجه والمبلغ المادي الذي ستدفعه مما يجعل المرء يحسب لذلك حساباته خاصة في ظل نمط الحياة الاستهلاكية، والظروف الاجتماعية والعملية الضاغطة.
في ظل هذا الواقع أصر بعض العاملين والمخلصين للمسرح في بعض الدول العربية على المثابرة ومحاولة المحافظة على سوية معينة من خلال المهرجانات السنوية التي تقيمها إدارات المسارح في بلدانهم مثل القاهرة.. تونس.. عمان.. المغرب بالإضافة إلى مهرجان دمشق المسرحي الذي توقف لسنوات عدة ومهرجانات المسرح الخليجي من أهمها أيام الشارقة المسرحية ومهرجان المسرح الخليجي في البحرين.
إلا أن ذلك لم يكن كافياً للصمود أمام طغيان الدراما التلفزيونية التي استطاعت إبهار المشاهد وجذبه من باقي الفنون التي هي برأيه تؤدي غرضها البصري وحتى الفكري للقلة المهتمة بهذا الجانب الأساسي، هذا بالإضافة إلى توجه الكثير من العاملين في المسرح من فنانين وفنيين وكتاب إلى التلفزيون لعدة أسباب أهمها:
أولاً: الإمكانيات المادية والتكنولوجية والفنية الضخمة التي وضعت تحت تصرف القائمين على إنتاج الدراما التلفزيونية.
ثانياً: سهولة الإنجاز والإنتاج
ثالثاً: تحقيق الربح المادي العالي للمنتج والعاملين من فنيين وفنانين.
رابعاً: تحقيق أهم طموح لأي فنان يعمل في الدراما التلفزيونية وهو الانتشار والشهرة.
بالإضافة إلى انه ومن خلال هذا الجهاز العجيب القابع في كل بيت قد تم فتح قنوات هائلة بين المشاهد والمنتج للبضائع الاستهلاكية مما أدى إلى تشجيع المنتجين بالتواصل مع الجمهور ودفع مبالغ مادية كبيرة للترويج وتصريف بضائعهم.
هنا يبرز وبوضوح العامل الأهم في تطور وسيطرة الدراما التلفزيونية على جميع وسائل الاتصال ليس على المسرح وحده وهو العامل المادي الذي هو الأهم أصلاً في جميع مناحي الحياة، لذلك نرى وبلا تحفظ أن الكثير ممن حملوا راية المسرح ودافعوا عنها قد انقلبوا عليه وغادروه إلى التلفزيون. وهناك أيضاً فنانون لجاؤوا للتلفزيون لتحقيق الشهرة ثم عادوا للمسرح مكرمين مدللين.
لهذه الأسباب مجتمعة، وبما أننا نتفق جميعاً على أهمية المسرح ودوره الريادي في المجتمع وأصالته في ذاكرة الشعوب وبما أنه لا تستطيع الدراما التلفزيونية ولا غيرها من الفنون أن تلغي دور المسرح الذي يبقى الأكثر تلاحماً ومتعة مع المشاهد إذا ما طور أدواته الفنية والفكرية التي يجب أن تواكب كافة التطورات والتحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، علينا أن نقف وقفة تأمل جادة أمام ما يمكن فعله للحفاظ عليه وإعادة مكانته لدى المشاهد والعاملين فيه.
على القائمين والعاملين في المسرح والمتمسكين بأصالته والمؤمنين برسالته استيعاب كافة التحولات الطارئة على الواقع الثقافي العربي والعالم، وطغيان الثقافة الاستهلاكية وتوفير المناخات الملائمة لهذه الثقافة عبر وسائل اتصال سهلة الولوج إلى وجدان الشارع المنسحب من الكثير من ثوابته والمفاهيم الإنسانية البعيدة عن الاستهلاك الدعوة إلى مايلي:
أولاً: تضافر الجهود مع كافة المؤسسات الثقافية الحكومية والأهلية الخاصة إلى وضع برامج تثقيفية متخصصة في موضوع المسرح وأهميته.
ثانياً: المطالبة الجدية من القائمين على المؤسسات المسرحية بالاستمرارية في ظل كل الظروف المحيطة وتطوير الأدوات الفنية والتقنية التي تغني العرض المسرحي.
في المقابل على الحكومات التي تريد التطور والارتقاء لمجتمعاتها أن تقدم كل الإمكانيات اللازمة للقائمين على العمل المسرحي لتحقيق ما ذكرناه آنفاً.
وعليها لإنشاء جيل يستوعب أهمية وقيمة هذا الفن إن توعز لوزارات التعليم الاهتمام بهذا الجانب من خلال إقرار المسرح في مناهجها الابتدائية حتى يتمكن هذا الجيل من التعاطي الصحيح والواعي لفن المسرح وفن الدراما التلفزيونية وحتى السينما.
لقد استطاع الخليج عموماً ودولة الإمارات خصوصاً وبعد الطفرة النفطية من النهوض بكافة مناحي الحياة والوصول إلى مصاف الدول العالمية الكبيرة تكنولوجياً وعمرانياً ومادياً ولكن المطلوب النهوض المتوازي للجانب الثقافي عموماً والمسرح خصوصاً.
حيث إن واقع المسرح الإماراتي عموماً في حالة ركود عام لولا تلك الإضاءة المتميزة في أيام الشارقة المسرحية التي تعطي دفقه حياة في جسد المسرح الذي يمضي أيامه في سبات خلال العام.
وأعتقد أن واقع الدراما التلفزيونية المحلية لا يختلف كثيراً عن واقع المسرح فهي في تعثر لولا بعض الومضات من تلفزيون الشارقة، وأبوظبي، ودبي.
علماً بأن الدراما المحلية تواجه تحدياً حقيقياً من جاراتها في الكويت، والبحرين، وقطر.
مازالت الدراما التلفزيونية المحلية تبحث عن هويتها بين هذا الكم الهائل من الدراما العربية المتطورة.
إن هذا الواقع المتعثر تتشابه أسبابه مع حالة التعثر المسرحي. إلى الفقر في الكوادر الفنية، كالتصوير، والإضاءة، والمونتاج... الخ.
عصام يوسف

