أخذت عملية الترويج للسلع والأدوات (على اختلاف مهامها ووظائفها) أكثر من شكل ومنحى في الماضي والحاضر، وينتظرها المزيد من الابتكارات في المستقبل، من ذلك: الأسواق، البازارات، المهرجانات، المعارض، الملتقيات، الأسابيع التخصصية، الفرق الجوالة في الحارات والشوارع والمدن والبلدات، الإعلام بأشكاله كافة، لاسيما وسائل الاتصال البصريّة الثابتة والمتحركة.
الفيلم السينمائي من أبرز وأهم السلع الثقافيّة البصريّة التي أدهشت الإنسان المعاصر عند ابتكارها، ولا تزال مطلوبة ومرغوبة، رغم حالة الكساد التي حشرها التلفاز فيها، إذ جعل في كل بيت، دوراً للفرجة البصريّة الحافلة بكل أنواع وأجناس الأفلام السهلة التناول والأخذ والانتخاب.رغم إقبال الناس الشديد على مشاهدة الفيلم السينمائي في دور عرضه التقليديّة، وتتبعهم لكل جديد منه، إلا أنه احتاج دوماً، للترويج والدعاية والتعريف بفكرته ومضمونه ومخرجه وأبطاله وتقاناته.فكيف كانت أشكال عملية الترويج للفيلم السينمائي في سوريا، بدءاً من ثلاثينيات القرن الماضي وحتى نهايته؟.هذا ما حاولت الباحثة الشابة (ريم ضرغام) رصده وتتبعه والتوثيق له، في رسالة الماجستير التي أعدتها في قسم الاتصالات البصريّة بكلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق التي دافعت عنها مؤخراً تحت عنوان: (فن الملصق السينمائي في سوريا من العام 1932 إلى العام 2000) والتي تعتبر أول بحث أكاديمي ممنهجاً وموثقاً لهذا اللون من الثقافة البصريّة في سوريّا.
تألفت الرسالة من نبذة تاريخية لفن الملصق عموماً، وثلاثة أبواب، وأربعة فصول، توجتها بنتائج ومقترحات وتوصيات، أرادت منها الباحثة، دعم هذا الفن، وتأكيد أهميته الفنيّة والترويجيّة، وضرورة الاستمرار في عملية البحث في تاريخه والتوثيق له، لا سيما بعد أن اكتشفت، عدم وجود أرشيف له، لا في القطاع السينمائي السوري الخاص ولا في العام، وندرة المقالات والدراسات التخصصيّة حوله، والغياب المتواتر، لأعمدة الذاكرة السينمائية السوريّة، من دور عرض وأصحابها، ومخرجين، ومصممي ملصقات... وغيرهم.
ارتبط تاريخ وجود فن الملصق السينمائي في سوريا بتاريخ أول عرض تم فيها، وكان في مدينة حلب عام 1908، نفذه مجموعة من الأجانب، جاؤوا عن طريق تركيا، قاموا بعرض صور متحركة، على آلة متنقلة، تتحرك فيها الصور أفقياً.تعود جذور فن الملصق إلى سنوات بعيدة في تاريخ البشريّة، لكن شكله المعاصر، بدأ مع عدد من الرواد أمثال: بتوفل، ألكساندر ستيبلن، ويل برادلي، أدول هوهينشتاين، ألفونسو موكا، بريفات ليفيموت، هنري دي فيلده...وغيرهم.
في بحثها عن الملصق السينمائي السوري، اعتمدت (ريم ضرغام) على المنهج التحليلي الوصفي، واختيارها للعام 1932 جاء مواكباً لدخول السينما الناطقة إلى دور عرض السينما في سوريا على يد (شماس و قطان وحداد) حيث كان لا بد من الإعلان عن العروض السينمائيّة بعدة طرق ووسائل منها: القيام بخط عبارات كبيرة على لافتات توضع فوق باب السينما، أو قيام أحدهم بالمناداة أمام هذه الدور، لاجتذاب المارة وتحريضهم على الدخول إليها، أو إحداث نوع من العراضة أمامها.
وغالباً ما كان يلجأ أصحاب هذه الدور، إلى جلب فرقة موسيقيّة مصغرة للعزف أمام دورهم، بهدف لفت انتباه السابلة إلى وجود حدث ما هنا.وقد تذهب جوقة من المنادين، إلى الأحياء والحارات، لإعلام الناس بالعروض السينمائية ومواعيدها وأسماء أبطالها، وكان بعضها مخصصاً للعموم، أو للعائلات، أو للنساء، أو للبالغين فقط... الخ.
بعدها كان يوجد ما يعرف بـ (الأفيش السينمائي) أي (الملصق) الذي كان يغطي واجهة دار العرض، وفي هذا المجال، أشارت الباحثة (ضرغام) على لسان (صبيح العظم) مدير سينما (الزهراء) و(الحمراء) في مدينة دمشق (يعود تاريخهما إلى أربعينات القرن الماضي) ولاحقاً سينما (بيبلوس) إلى أن الملصقات كانت ترافق الأفلام الأميركية، وكانت كبيرة وصغيرة، تتضمن صوراً لمشاهد الفيلم والممثلين.
وكانت غالبيتها بقياس 600*270 سم ويطلقون عليه اسم (أفيش24) لأنه مكون من 24 قطعة، وحجم الملصق هذا، دفع مدير الصالة إلى جعل واجهة دور العرض التي أدارها بقياس هذا الملصق.أما ملصق الفيلم الإيطالي، فكان متنوع القياسات، وملصق الفيلم المصري والفرنسي صغير الحجم.
بعد انتشار السينما في سوريا، أصبح الناس (ومن بينهم أصحاب المحال التجارية) يلهثون وراء الملصقات السينمائية، للحصول عليها ووضعها في واجهات محالهم، وأحياناً في منازلهم.
الملصق السينمائي السوري
البداية الحقيقيّة للملصق السينمائي السوري ـ كما تشير الباحثة ضرغام ـ رافقت فيلم (المتهم بريء) الذي أنتج عام 1928 فقد نُفذت له مئات الملصقات، أخذت طريقها إلى غالبية جدران مدينة دمشق، لكن للأسف، لم يبق لها أي أثر يذكر الآن.
بعد هذا الفيلم، تتالت الأفلام السينمائية السوريّة، وتتالت معها ملصقاتها البسيطة التي كانت تجمع بين صور الممثلين وأسمائهم وأسماء المخرجين والمصورين والمنتجين، كما كان سائداً في الملصقات السينمائيّة المصريّة، وللخروج بملصق لائق ومقبول من قبل الناس، أوكلت مهمة تصميمه ورسمه للفنانين التشكيليين (الهواة والدارسين) وبعض الخطاطين الذين امتلكوا ناصية الرسم والتصميم.
مع تأسيس المؤسسة العامة للسينما عام 1963، توجه الفيلم السوري إلى معالجة الأفكار الجادة، وهو ما واكبه فيه ملصقه الذي عُهد تصميمه لفنانين تشكيليين مشهود لهم بالثقافة والخبرة، قاموا بتطويره والنهوض به، ما جعل بعض هذه الملصقات، تحصد جوائز عالمية، ضمن تظاهرات ومهرجانات سينمائيّة عديدة، منها ملصق فيلم (الفهد) الذي أخرجه نبيل المالح.
ومن الجوانب الهامة التي تعرضت لها رسالة الباحثة (ضرغام) مراحل تطور تقانات فن الملصق السينمائي، والتعريف بتقاناته، وأشكاله، وقياساته، وتأثيره بالمتلقي، واتجاهاته، وقامت بتحليله وفق هذه الاتجاهات، معددة أبرز الفنانين التشكيليين السوريين الذين اشتغلوا عليه ومنهم: عبدالقادر أرناؤوط الذي وضع ملصقاً لفيلم (سائق الشاحنة) وإحسان عنتابي الذي وضع ملصقاً لفيلم (العار) وأحمد معلا الذي وضع ملصقاً لفيلم (صهيل الجهات) وموفق قات الذي وضع ملصقاً لفيلم (الترحال).
نتائج ومقترحات
بعد متابعتها لأطياف فن الملصق السينمائي في سوريّا وخصائصه واتجاهاته وتقاناته وأبرز الأسماء التي اشتغلت عليه، انتهت الباحثة (ريم ضرغام) إلى جملة من النتائج والمقترحات الكفيلة برأيها، للنهوض به وتطويره.كما أوصت بضرورة متابعة البحث الذي وضعته لأهمية موضوعه وعلاقته الوثيقة بفنين عريقين هما: السينما والفن التشكيلي.
ونوهت إلى الإمكانات الواسعة التي وضعها الحاسوب بين أيدي المشتغلين في المجالين.كما بينت الباحثة أهمية الملصق السينمائي كفن اتصال بصري، وارتباطه بفن السينما واختلاف تطوره من بلد لآخر، لارتباطه الوثيق بالعوامل السياسية والثقافية والاجتماعيّة والاقتصاديّة، وبالتطور التقاني الطباعي. وأشارت إلى ضرورة اعتماد اللغة السهلة والمبسطة، لشد انتباه المتلقي إليه، وتالياً للفيلم الذي يُروّج له.
أما بالنسبة للملصق السينمائي في سوريّا، فقد ارتبط بحركة السينما فيها، والاتجاهات التي اشتغلت عليها، وتأثر بالفنون المماثلة في مصر والعالم، وباتجاهات المخرجين السينمائيين السوريين وثقافتهم التي حملوها من البلدان التي درسوا فيها.
ماهيّة الملصق
ينتمي فن الملصق إلى أسرة الفنون التشكيليّة، وبالتحديد إلى فنون الغرافيك الواسعة الطيف، والتي تضم إلى جانبه، الرسوم التوضيحيّة (الموتيف) والرسوم المتحركة، وفنون الكتاب والتصميم...وغيرها.
وكما هو الحال بالنسبة لعملية تحديد ماهيّة الفن التشكيلي التي لا تزال إشكاليّة مفتوحة تتقبل المزيد من الاجتهادات، كذلك الأمر بالنسبة لتحديد ماهيّة فن الملصق الذي يراه (إياد الصقر) مطبوعة يتم عرضها بشكل علني، وتُستخدم أداة للدعاية لمنتج ما، أو حدث معين، أو مناسبة، أو سبب، من خلال عرض صورة مع نص.
فمهمة الملصق الإعلان البصري الموجز بحيث يوفر معلومة عن طريق الدمج بين الطباعة واللغة المجازية التصويريّة، ليتم ملاحظته وجذب انتباه المشاهد للتأثير عليه.وعادةً يُصمم الملصق من أجل أن يُفهم من نظرة سريعة، وهو يجمع مؤثرات بصريّة مباشرة مع وسائل اتصال مختصرة ذات مقدرة على منافسة المحيط المشوش بصريا.
ولكي يكون كذلك ينبغي أن يحتفظ بالوضوح والتميز والتعبير عن فكرة.فهو بسيط في تكويناته، مكثف في كل جزءٍ منه.ولأن الفنان يسعى من خلاله إلى توصيل رسالة عبر التغلب على المشكلات التي تظهر، فإنه يتضمن عنصراً ذهنياً عميقاً. بدأ فن الملصق بعناصر تشكيليّة بسيطة، تجمع بين الرسم التشخيصي الدلالي والعبارات أو النصوص، ثم تطورت هذه العناصر، مع تطور وسائل الطباعة الحديثة وتقاناتها.
فبعد أن كان استخراج النسخة وتكرارها يعتمد على تقانات الحفر التقليدية (الخشب، الحجر، المعادن، الشاشة الحريريّة) ثم على طباعة (التيبو) و(الافست) وأخيراً قدم الحاسوب لفن الملصق، دفعة كبيرة وهامة، حيث أصبح بالإمكان الدمج بين جملة من العناصر التشكيليّة فيه، إضافة إلى العبارات والنصوص الكتابيّة التي تحدد الحدث المعلن عنه وتاريخه ومكانه.
د.محمود شاهين

