يتفجر وجدان ادوارد سعيد بالحنين إلى المهد ومسقط الرأس، تحمله مشاعر الغضب وضرورة التعبير عن الاستنكار، يستقل أول طائرة متجهة إلى بيروت ومن هناك يشده عبق أزهار ليمون يافا وبرتقالها إلى الجنوب، إلى الحدود، إلى بوابة فاطمة، يرتعش القلب، ينتفض ،تنهمر دمعة، يرمي حجرا ويعود أدراجه نحو المنافي.
يعكس هذا المشهد التراجيدي ظاهرة تحتضنها جغرافيا الأماكن ذات الدلالات السياسية والفكرية والعقائدية والتاريخية المنتشرة بكثرة حول العالم،بحيث يمكن أن نطلق عليها مصطلح السياحة السياسية الذي رغم رواجه في شتى بقاع الأرض إلا أن استخداماته غير شائعة في البلدان العربية لأسباب يبدو أنها ترتبط بالمناخات العامة وتندرج في سياقات محاولات وضع اليد على حرية التعبير.
مفهوم السياحة السياسة له دلالات بلاغية متعددة ومعاني لفظية متنوعة،قد يشير إلى زيارة بلد ما والتواصل مع مجريات الأحداث فيه ومؤسساته وفضاءاته وأمكنته وحتى قادته السياسيين،وقد يطال أبعادا أخرى حين يتعلق الأمر بالحياة اليومية وروتينها وإيقاعاتها،التي يلعب دور البطولة فيها السياسيون الذين لو تنوعت مقاصدهم في أي أجندة أو فعالية وطنية أو أممية، إلا أنهم عندما يزورون بلدا ما، فإنهم يتمتعون ويلهون ويسرحون ويمرحون ويعودون محملين بالذكريات الطيبة.
على الرغم من أن الخبراء في موضوع السياحة لا يوضحون ذلك، إلا أن الإحصائيات تكشف النقاب عن أن السياسيين والطبقة البيروقراطية عندما يقررون ممارسة السياحة السياسية، يختارون بلدانا أجنبية بعيدة تتمتع بميزات سياحية جذابة ومتحضرة، ذلك أن زيارة بلد فقير لا تشكل فارقا وستبقيهم أغنياء أمام أنفسهم وأمام الناس في البلد المضيف.
ولذلك يعتبر هذا المفهوم مثيرا للاهتمام ساعة البحث عن المعلومات وفهم أبعاده الحقيقية.في مدينة دبلن الأيرلندية ثمة عرض سياحي من نوع خاص من منظور السياحة السياسية،سياحة محورها التاريخ وسياسة ذلك البلد الأوروبي. هذا العرض ينمو ويزدهر ويثير الاهتمام حتى في نفوس الأعداء في أيرلندا الشمالية،التي تعيش حاليا بسلام.
لكن المسارح التي شهدت الصراعات بين الكاثوليك والبروتستانت لا تزال قائمة لإتاحة الفرصة أمام السياح لتأملها، وكذلك الناس الذين لعبوا الدور الرئيسي في هذا التاريخ وبقايا ذلك الواقع الذي كتب عليهم العيش في ظله.
الجولات السياحية تنظم في مجموعات مكونة من 25 شخصا،غالبيتهم من الجامعيين والسياسيين الذين يصلون إلى هناك لمعرفة رؤية كلا طرفي الصراع. بلفاست، ديري، ساوث إميج، كلها أماكن تشبع الفضول السياسي والتاريخي لدى السياح السياسيين.
يقول ماركو توليو بايز، مدير معهد السياحة الفنزويلي وأحد المشاركين في معرض لندن ،الذي ضم 202 بلد، إنه بالإضافة إلى ما تتمتع المدينة به من مصادر الجذب السياحية،بوسع كاراكاس أن تلعب دور واجهة لعرض الثورة البوليفارية، مضيفا أن الموضوع السياسي مطروح على بساط البحث، لأن فنزويلا تعيش لحظة سياسية فريدة.
وفي الإطار، تتمتع كاراكاس بأهمية خاصة،لأنها توفر عينات عما يحدث في البلاد في ظل حكومة شافيز. كما أن استعراض العاصمة الفنزويلية يشكل جزءا من أحد الجولات الأربع عبر كاراكاس التي توفرها هذه الهيئة العامة لزوار المدينة.
أحد أشهر المعالم السياحية في العالم يدعى جبل رشمور الواقع على ارتفاع حوالي 5700 متر عن مستوى سطح البحر في التلال السوداء لولاية داكوتا الجنوبية وبدأ العمل فعلياً فيه تاريخ 10 أغسطس 1927 واستمر قرابة الـ 14 عاماَ ويعتبر نصبا وطنيا يضم منحوتات ضخمة لوجوه أربعة رؤساء أميركيين يمثلون الـ 150 سنة الأولى من التاريخ الأميركي.
وهم جورج واشنطن الذي تم اختياره لأنه يعتبر الأب الروحي للبلاد ورمزاً للحرية والكفاح للاستقلال،توماس جيفرسون الذي تم اختياره لأنه المؤلف الرئيسي لـ «وثيقة الاستقلال» ولأنه ايضاً يعتبر رمزاً للحكومة، تيودور روزفلت الذي اُختير لأنه رأى أنه بفتح قناة بنما سوف يحصل العالم على أداة ربط بين المحيطين وبين الشرق والغرب، وأبراهام لينكولن الذي تم اختياره لأنه واحد من أصحاب دعوة تحرير العبيد في أميركا وأحد رموز الحرية والمساواة.
أما مدينة لندن ، فإنها تضم وحدها عشرات آلاف التماثيل والنصب التذكارية المنتشرة في جميع أنحاء المدينة والتي لكل منها حكاية على قدر كبير من الأهمية في تاريخ المجتمع البشري، تماثيل تجسد شخصيات خيالية وأخرى سياسية من ملوك وملكات إنجلترا إلى رؤساء وزرائها وصولا إلى شخصيات عالمية.
حيث يتصدر ساحة البرلمان، على سبيل المثال، تمثال الزعيم الأفريقي نيلسون مانديلا،المحاط بمنحوتات لكل من أبراهام لينكولن وأوليفر كرومويل وونستون تشرشل وآخرين.كما تحتضن ميادين وساحات لندن منحوتات لشخصيات سياسية أجنبية على غرار سيمون بوليفار محرر أميركا اللاتينية في ميدان الطرف الأغر وأخرى للمهاتما غاندي في ساحة تافستوك، فضلا عن أن بلدية لندن تنظم عادة جولة سياحية ذات طابع سياسي- روحي تحت عنوان (مشي غاندي) تشمل سائر الأماكن التي عاش أو درس فيها غاندي في لندن،وفي الساحة نفسها نصب لنهرو شجرة منحوتة من النحاس عندما زار تمثال غاندي.
وبعيدا عن النحت والتماثيل، فإن بلدية لندن خصت الشاعر والفيلسوف رابندراناث طاغور،الذي كرمه الملك جورج الخامس عام 1915 والحاصل على جائزة نوبل للآداب،ببرامج سياحية تضع زوار لندن في صورة سيرة حياته المليئة بالعطاء الفكري والإنساني.
ولقد تحولت المنطقة العسكرية المنزوعة السلاح التي تفصل الكوريتين،والتي أقامتها القوات الأميركية والأمم المتحدة العام 1953،إلى نموذج بارز آخر للسياحة السياسية، إذ يزورها نحو500 ألف سائح أجنبي ونحو مليون ونصف المليون زائر كوري سنوياً،على الرغم من أن السائح لا يجد في هذه البقعة أي معلَم أثري من المعالم التاريخية المعتادة ، الأمر الذي يعكس توق الشعب الكوري في الشمال والجنوب إلى إعادة الوحدة لبلادهم.
حيث يُسمح للقادمين من الجنوب بالإطلالة على «المنطقة الأمنية المشتركة» التي بني فيها «بيت السلام» و«بيت الحرية» وغرفة اللقاءات الرسمية بين الشمال والجنوب ومقر لكل منهما،كما يشاهد السياح عرضاً سينمائيا عن تاريخ حرب عام 1950 ومآسيها وإقامة المنطقة العازلة،.
وتوفر لهم السلطات السياحية فرصة للاطلاع على مجريات الأحداث بين الشمال والجنوب، والتي تفيد بأن هناك 12 مليوناً من الكوريين يعانون مأساة فصل العائلات التي يشاهد العالم المشاهد المحزنة لجمع بعضها في السنوات الماضية على شاشات التلفزيون العالمية. كما يفخر المرشدون السياحيين بأن يشرحوا للسياح عن محطة (دوراسان) للقطار السريع وإنجاز حكومة سيول لخط القطار من العاصمة إلى الشمال كرمز للوحدة.
في بلد مثل كندا على سبيل المثال، بوسع الزائر أن يحظى بجولة سياحية عبر أروقة البرلمان الكندي في العاصمة أوتاوا بمساعدة دليل سياحي يتكفل بمهمة تقديم شرح واف حول تاريخ هذا المبنى الحجري العريق وأهم الأحداث التي نوقشت فيه وأهم القرارات التي أتخذها أعضاؤه على مر التاريخ .
وأهم الشخصيات التي مرت من هناك، فضلا عن أن هؤلاء الإدلاء يحرصون كذلك على استعراض آليات عمل هذه المؤسسة الديمقراطية بمجلسيها النواب والشيوخ، كما تحرص السلطات الكندية على أن لا يفوت السائح فرصة إلقاء نظرة على قصر الحاكم البريطاني الذي لا يزال يعين من قبل البلاط الملكي في إنجلترا.
وربما تشكل التجربة الكوبية في هذا الميدان معلما بارزا لا يستهان به من حيث الدلالات والجماليات التي يمكن وصفها بالأسطورية في بعض الحالات التي يقدمها مشهد السياحة السياسة في الجزيرة الكاريبية، فبالإضافة إلى أهمية المتع السياحية التي توفرها شمس وشواطئ الكاريبي ودماثة أخلاق الشعب الكوبي وروحه المرحة المحبة للحياة، فإن كوبا تتميز بخاصية سياسية يعز نظيرها في أماكن أخرى من العالم.
فلقد تمكن هذا الشعب الصغير من حيث تعداد سكانه ومساحة أراضيه من القيام بثورة شعبية قل نظيرها أطاحت برئيس كان يعتبر أحد اقرب حلفاء واشنطن في بلد يعتبر الخاصرة الجنوبية الشرقية لأقوى دولة في العالم، الأمر الذي أثار دهشة وإعجاب العالم خاصة إذا أخذنا في الاعتبار أن هذه الخاصية تأخذ أبعادا أسطورية حقيقية عند الحديث عن حفنة من الشبان أصحاب الشخصيات الكاريزمية الذين قادوا تلك الثورة وأوصلوا شعبها إلى الشعور بنشوة الانتصار.
وعلى رأسهم فيديل كاسترو وارنستو تشي جيفارا، اللذان يحظيان باحترام وتقدير حتى أعدائهما وذاع صيتهما في أقاصي المعمورة وتحولا إلى رمزين لا يمكن تنحيتهما جانبا ساعة الحديث عن أحلام الشباب البوهيمية في التجديد والتغيير والارتقاء إلى مصاف الروح في الحياة البشرية.
ولذلك تحرص السلطات الكوبية على إبراز مفردات الانتصار الكوبي وعرضها أمام عيون الزوار في أي وقت من العام، ومن بين تلك المفردات التاريخية يبرز قارب اسمه «غرامنا» حيث قام عام 1956 مجموعة من الشبان الثوار يقودهم كاسترو وجيفارا وكاميليو سينفويغوس لا يتجاوز تعدادهم المائة من ضفة بحر الكاريبي المكسيكية إلى ضفته الكوبية وشكلوا آنذاك نواة الثورة الكوبية التي أطاحت في عام 1959 بالنظام الذي كان قائما هناك.
ولا يكتمل الحديث عن السياحة السياسية دون التوقف عند مشهد سياحي آخر أسبابه ودوافعه سياسية بامتياز ومسرحه مدن وقرى وبلدات احتلتها عصابات صهيونية عام 1948 وأسست كيانا استعماريا عليها بعد طرد سكانها الأصليين،الذين وجدوا أنفسهم يعيشون في بلدان الشتات،الأمر الذي أفضى إلى ظاهرة لا نظير لها في أي بقعة من بقاع الأرض مشكلا مخاضا لولادة ظاهرة غريبة من نوعها تتناقض .
وأي منطق حياتي على الإطلاق،ظاهرة جعلت من صاحب الحق في أرضه متسولا لدى مغتصبها، الذي سن قوانين صارمة تحرم اللاجئين الفلسطينيين من زيارة بيوتهم وممتلكاتهم وحقولهم وأبقى الباب مواربا بحيث يسمح في بعض الحالات لكبار السن بزيارة أقاربهم من الدرجة الأولى ممن ظلوا داخل الوطن،والتواصل مع مفردات جغرافيا ألفوها وعشقوها وطردوا منها.
ظاهرة انعكست بقوة في أعمال الأدباء والشعراء الفلسطينيين والعرب، فكتب الراحل غسان كنفاني رواية «عائد إلى حيفا» التي تطرح أسئلة الهوية والمصير والانتماء من خلال قصة بطلها الاحتلال نفسه الذي شق عائلة سعيد إلى شطرين الأول في فلسطين والثاني خارج حدود الوطن،الأول طفل رضيع لا حول له ولا قوة حالت العصابات الصهيونية دون إمكانية عودة والديه إلى بيتهما في حيفا لاصطحابه رحلة اللجوء القصرية.
والثاني أم وأب رحلا عن الوطن إلى المنافي وسيطر على حياتهما شبح خالد وهو راقد في سريره الهزاز في منزلهما في حيفا، وعندما لاحت أول فرصة للعودة إلى حيفا سارا في رحلة العودة إلى الوطن بحثا عن الابن الضال الذي أصبح مواطنا إسرائيليا وضابطا في جيش بلاد يعتبرها بلاده من منظور يهودي بعد أن احتل بيت أهله الأصليين، سعيد وصفية، زوجان من المهاجرين اليهود واعتبراه ابنهما وربياه على هذا الأساس وتعاملا مع الأمر وكأنه حقيقة مطلقة.
طريق العودة هذا اختبره فلسطينيون آخرون كثر،من بينهم الشاعر محمود درويش الذي ركب أمواج رحلة العودة إلى موطنه الأصلي المحتل في زيارة أعادت الشاعر الكبير إلى خبز وقهوة أمه التسعينية التي استقبلت ولدها العائد بالزغاريد والدموع،في حين قال درويش في بداية أمسية شعرية له في حيفا :(نجحنا في أمر واحد: نجحنا في ألا نموت، حتى لو ارتكبنا من الأخطاء ما سيدفع هوميروس إلى إعادة يوليسيس إلى أكلة اللوتس لينسوه طريق العودة)،مردفا أن طريق العودة إلى البيت أهم من البيت نفسه.
لكن كل هذه النماذج آنفة الذكر التي تؤكد المكانة الرفيعة للسياحة السياسية في قلوب الناس لا تشكل نقطة في بحر نظيراتها التي لا يخلو منها بلد ولا يفتقر لها مجتمع.
الترويج للسياحة السياسية
تسعى بعض الدول جاهدة للترويج للسياحة السياسية على غرار ما يجري في فنزويلا، حيث تعمل السلطات هناك على تحويل البلاد إلى واجهة عرض للثورة البوليفارية عن طريق التركيز على منجزات حكومة هوغو شافيز في ميادين الاقتصاد والتعليم والرعاية الصحية وعرضها أمام الفضوليين داخل وخارج البلاد، فلقد كانت مشاركة كاراكاس في المعرض العالمي للسياحة في لندن العام الماضي لافتة للانتباه،حيث تم تقديم العاصمة الفنزويلية كمدينة للسياحة السياسية.
باسل أبو حمدة
