انحرفت السيارة عن صف البيوت العتيقة باتجاه الفسحة التي تفصلها عن النهر وتوقفت قريباً من حافة الجرف العالي. ترجل الأخ الأكبر الذي كان يقود السيارة، عدّل بزته العسكرية التي تكوّرت عند النطاق. تبعه خطيب ابنة أخته وراح هو الآخر يتفحص نجمته الوحيدة المائلة على كتفه، فيما بقيَّ الأخ الأصغر يفرش ذراعه على كتف أخته المتكومة في المقعد الخلفي، رفعت الأخت وجهها المدعوك بالبكاء وتساءلت بلهجة يائسة:

ـ هنا؟.

اختنق الأخ الأصغر بعبرته. رماه الأخ الأكبر بنظرة صلبة ومُؤنبة، فأطرق وسحب رغيف الخبز الحار الملفوف بالمنشفة من حجره، اقترب ذو النجمة الوحيدة من الأخ الأكبر، نظر إلى رتبته وقال:

ـ هل كان علينا ان نرتدي ملابسنا العسكرية في مثل هذا المصاب الأليم؟.

أجاب الأخ الأكبر بنبرة صارمة:

ـ كان لابد من ذلك لكي نتحاشى الأسئلة وربما الممنوعات!.

صمت لحظة ومن ثم أضاف:

ـ ولا تنسى إننا نحتاج إلى الشرطة النهرية.

بدت الجمل المقتضبة تطرق على الصمت المهيمن على المكان وتكسره مثل الزجاج. صمت طقسي مهيب يليق بسطوة الموت، فقد انسحب البشر ليتركوا للطبيعة تأديته بخشوع!..

فلم تبد للعيان من حركة غير الانسياب الناعم للنهر تحت سطوع الشفق الأحمر الناري الذي ينقطع على نحو مفاجئ عند الضفة الأخرى للنهر، متيحاً للقتامة الباهتة تسلق نخيل البساتين من الأسفل مالئة الفجوات ببواكير الليل قبل أن ترتد ساكنة مضغوطة تحت قرص الشمس الأحمر الغاطس في سعفات النخيل الناتئة للأعلى. نظر ذو النجمة الوحيدة إلى ساعته وقال:

ـ لم يحن آذان المغرب بعد!..

رد الأخ الأكبر:

ـ مع ذلك الوقت مناسب جداً.. ستصرخ بكل قوتها من دون ان يراقبها احد أو يثبط همتها..

باغتهم صوت مفاجئ من أسفل الجرف:

ـ منذ الصباح وعيناي لم تغادرا النهر لكنه لم يظهر!..

انتبهوا فزعين إلى البلام وقد احتضن شباك الصيد وتسلق الجرف باتجاههم. ألقى التحية عليهم وكرر مواساته لهم، وذكرهم برحمة الله الواسعة. سأله الأخ الأكبر:

ـ هل رأيت زوارق الشرطة النهرية هذا اليوم؟.

ـ رأيتهم، لكن هذا لا يفيد!..لقد قلت لكم عن تجربة تعود لأكثر من عشرين سنة مع الشط، انه يحتاج إلى خمسة أيام في الصيف لكي يطفو، وفي الشتاء إلى ثلاثة أيام.. وهذا قدر ربك؛ في الصيف يكون ماء النهر بارداً وفي الشتاء دافئاً، وما لم تشبع الجثة ماء لن تطفو أبداً.

نفث الضابطان حسرتيهما، فيما زاغت عينا البلام إلى السيارة. حاول تفحص المرأة الملفعة بالسواد. تساءل بنبرة خافتة:

ـ أمه؟.

هزَّ الأخ الأكبر رأسه بالإيجاب، فيما علق البلام بما يشبه السخرية:

ـ يا ما صرخت أمهات كثيرات على الجرف..ويا ما غليَّن القمصان على الطباخات الصغيرة عند الجرف؟!..ذلك لن يعيد الأبناء أبداً..

ـ لكن الجميع نصحونا بهذا، وقالوا انه مجرب..عموما لا خيار لنا غيره..

ـ ربما نفعت..أنا سمعت كثيراً، ومن زمان بعيد أن الأم إذا غرق ابنها في الشط ولم تطفُ جثته، عليها أن تقف على الجرف قبالة المكان الذي غرق فيه، ومع آذان المغرب تنادي باسمه.. باسم ابنها الغريق، وتلقي له في الشط رغيف خبز حار، وبعد مدة تغفو الأم من شدة التعب.. يقال إن الله سبحانه وتعالى سيسلط عليها تعباً شديداً، لكن مع ذلك عليكم أن تتعبوها جيداً..

ـ أيقظناها منذ الفجر ولم تنم حتى الآن..هي الآن متعبة جداً.

ـ المهم ان تنام بعد أن تلقي الرغيف، لأنه في المنام سوف يأتيها ابنها ويخبرها عن مكان غرقه، وعليكم عندئذ أن تغوصوا وتخرجوه.. ويقال أيضاً انه يطفو مع صلاة فجر اليوم التالي... لحظات ويحين موعد آذان المغرب..هيأها والله يصبّركم ويصبّرها.. قلب أم..

عدّل البلام كوفيته وغادرهم باتجاه صف البيوت التي تلوح على واجهاتها العليا لطخات حمر تشبه الدم المغسول. نقل الضابطان خطوات وئيدة وتوقفا عند السيارة. انحنى الأخ الأكبر داخل الباب الخلفي وكلّم أخته برقة:

ـ هاه.. هل تستطيعين النزول؟.

ناوله الأخ الأصغر رغيف الخبز واحتضنها بعينين مغرورقتين. سحبها بتؤدة إلى باب السيارة حتى استطاعت ان تمد رجليها إلى الأرض. وضع ذراعه تحت إبطها وراح يسحبها إليه لتلتصق به. بدت أطول منه قليلاً، سنواتها الأربعين تناسلت على وجهها لتتضاعف عقود كثيرة من الحزن العميق والانكسار المروع والاستسلام المر، علق خطيب أبنتها قائلاً:

ـ انه تعب السهر.. لحظات وترتاحين.

لم تأبه لكلامه؛ فقد عدلت رأسها وكأنها نُبهت لأمر مفاجئ، توتر جسدها منتصباً، وتبددت غضون وجهها تاركة لنقاط الوشم ان تأخذ شكلها القديم، لكن من دون أن تمحو آثار الانكسار، تهدلت عباءتها من كتفها وسقطت على الأرض، فتلقفها خطيب ابنتها، خطت بثياب فضفاضة، مهفهفة وكأنها جمع من رايات منكسرة تُريد أن تثأر لانكسارها.

أمسكها الأخ الأكبر من يدها وجاراها بخطواته الوئيدة، نظر إلى أخيه الأصغر نظرات فهم معناها، توقفا قبل ان يصلا حافة الجرف العالي. ناولها رغيف الخبز وقبّلها في جبينها، ولأول مرة لانت ملامحه المتصلبة:

ـ كما أوصيتك يا عزيزتي.. توكلي على الله واقذفيه إلى أبعد نقطة في عرض النهر..

أخذت الرغيف بيدها اليمنى، زادت من توتر جسدها، فبدت أكثر اعتداداً بنفسها!، شعرت بأنها أكثر علواً من الأشياء العائمة في طوفان النور الأحمر الناري..

ظلال الجرف والنخيل والبيوت، وخلفها المدينة كلها بجوامعها وجسورها تنحني في وسط الشط لتغتسل بمائه الأحمر الناري، تكسرت رتابة الأشياء مع رنين صدى (الله اكبر) الذي تصادى من المآذن القريبة وأجهزة المذياع التي تبث من داخل البيوت العتيقة. رفعت الأم يدها بموازاة كتفيها وهي تقبض على رغيف الخبز، ومن ثم شرعتها عالياً فانطلق صوتها المثلوم:

ـ هاش.. ش.. م... هاشم..م م..م م..

وطوحت برغيف الخبز بعيداً في مياه النهر التي طفت فوقها موجات حمراء تتوالد بعضها عن بعض وكأنها تسحبها اليها. انكفأت على وجهها كما لو كانت تسجد لصلاة طويلة توصلها بكل أطراف الكون، يغمرها طوفان بارد، طوفان دم أو طوفان ماء يمد إليها طيات أميبية تنزلق بعضها فوق بعض فيمزقها صوتها الذي يذيب الأشياء من شدة أساه، فيهيم باتجاهها من بعيد وجه هاشم يذود عن أنفاسه التي تطاردها الموجات وتحاول الإمساك بها، يكابد من أجل الوصول اليها ليكلمها قبل ان تتكلم..قبل ان تشكو..قبل ان تلوم!

..ينزلق الصوت مثل احتكاك الموجات ـ موجات النهر فوق بعضها بعض متوسلاً: صدقيني يا أماه لم أكن أعلم، لقد خدعوني.. قالوا لي انهم يعرفون قيادة الزورق، وان المتعة ستكون عصية على الوصف في وسط المدينة الرائعة برغم حزنها الخفي.. لا ادري لماذا صدقتهم واستجبت لبهجتهم الوهمية؟!.

.جلست على مقدمة الزورق.. ماد الزورق تحتنا وارتجفت دفته قبل أن يلفني تحت محركه لأنزل شاقولياً على حشد من أذرع الموجات التي أنزلتني بهدوء فوق مدينة مطمورة تحت النهر.. تشبه مدينتنا.. أستطيع ان أراها من فتحات في قاع الشط؛ مآذن وقباب وقصور تكسوها طبقة خفيفة من غرين النهر فتأخذ ألوانها وتعطيها لون الطين الفجائعي باستثناء المخطوطات المتهرئة والممزقة التي مازالت تنث حبرها الأسود والأزرق الأبدي برغم القرون التي مرت على اغتيالها وإلقائها في النهر!..بيوت وأزقة وأسواق ومراقد وجوامع وأماكن علم..كل ما تحتويه المدينة وكل ما يشكل صورتها...

ـ ألا تأتي معي يا ولدي؟.. جئت لآخذك معي، فقد اشتعلت النيران في صدري لغيابك.. غيابك مر يا روحي...

اعذريني يا أمي..ألا ترين نزف مدينتنا برغم أنها تحيا تحت الشمس؟..لقد ارتعبت عندما اكتشفت نزفها الدموي الصامت..تنزف بصمت وكبرياء يليق بالمدن المنحوتة في ذاكرة الزمن.. كبرياء الشهداء والعلماء والعشاق والعاشقات اللائي ضُبطن في أحضان عشاقهن وأُلقين في النهر.

.أرى خيوط الدم تنسل صامتة من تحت جدران بيوتها، تنزل بعمق يشبه صمت المقهورين الذين لا حول ولا قوة لهم.. آه يا أمي..ألا ترين حمرة المياه في لحظات الشفق..حيث يصطدم الليل بالنهار، وينسلخ يوم آخر أو جلد آخر من عمر الزمن، فتنوح الأرواح والأزقة، وتتفتح الجروح؟..ألا ترين أو تشعرين بالحزن الذي يخلقه الغروب في نفوسنا؟..

ـ لقد هدّها التعب!..لنتركها تستريح قليلاً..

قال الأخ الأصغر وهو يمسح دموعه بالمنشفة التي كان يلف بها الرغيف...

ـ لقد بدأ الظلام يهبط، يجب ان نأخذها إلى البيت.

المؤلف في سطور

*ولد عبدالستار البيضاني في بغداد 1958

*حامل بكالوريوس إعلام ـ جامعة بغداد ويعمل في الصحافة

* صدرت له أعمال متعددة في القصة والرواية أبرزها:

* قلعة النساء والثنائيات ومآتم تنكرية وعطش على ضفاف الدانوب ولجوء عاطفي وأخيرا الزاوية والمنظور وهو حوارات في القصة العراقية وأصوات عالية.

عبد الستار البيضاني