من المرجح أن اختراع مروحة اليد يعود إلى ألوف السنين، وربما لدى اكتشاف الإنسان للنار وحاجته لإيقادها وتأجيجها بأداة لتحريك الهواء من حولها ولاحقا من حوله تبعا لرحلته مع الشتاء أو الصيف.

مع مضي العصور تجاوزت المروحة الفعل الحركي لها، لتلعب دورا أكبر من كونها مجرد أداة في يد الإنسان. أصبحت له دلالات ومؤشرات وصناع وأتباع ومكانات ومقامات. وبذا باتت المراوح عبر مراحل طويلة في التاريخ مرآة إما للسلطة والنفوذ، أو لزينة المرأة ومكانتها وإغوائها، علاوة على كونها وسيلة أو لغة بديلة للوصل والتواصل، لتبوح بما عجز عنه الكلام بين التواري والتداري.ويستدل من المخطوطات والآثار أن المراوح استخدمت من قبل المصريين والبابليين والفرس والإغريق والرومان. كانت المروحة في البداية ورقة شجر، تحولت بعدها إلى قش مجدول ومن ثم إلى ريش فقماش، ابتداء بالحرير وانتهاء بالدانتيل، لتزين إما بالتطريز أو بالرسم من قبل صناع مهرة أو فنانين مشهورين.

وسرعان ما باتت جزءا من الحياة العملية وأنتجت بمواد استهلاكية رخيصة لتكون بمتناول الجميع. وأول مروحة عرفت دعيت باسم «مراوح الشاشة» أو مراوح أوراق الشجر الثابتة. وكانت تستخدم باليد لتبريد الجسم ولطرد الحشرات. وكان للمراوح الأولى طابع أوراق الشجر لا سيما النخيل، ويمكن مشاهدتها على أضرحة الفراعنة. حيث كان الفراعنة والآشوريون أيضا يوظفون العبيد لتحريك المراوح الكبيرة.

رمزيتها في التاريخ

عثر في ضريح توت عنخ آمون على مراوح ذهبية من ريش النعام، والتي رسمت أيضا على جدران ضريحه. ومن المعروف أن القدماء استخدموا المراوح الدائرية ذات اليد الطويلة للقيام بالشعائر والطقوس الدينية، وكانت تزين بريش الطيور كما لدى المصريين والهنود الحمر.

وفي حضارة الأزتك والمايا، كان يتم التعرف على التجار من مراوحهم التي تحمل رسومات خاصة بعمليات التجارة. كما كان لكل نوع من ريش الطيور المستخدم في المراوح دلالة دينية.

وقد ترك شعب الباراكاس في جنوب أميركا عددا كبيرا من المراوح بكافة أشكالها ودلالاتها بجوار مومياءاتهم. وكان الإغريقيون يستخدمون قماش اللينون القطني وذلك بشده على إطار له شكل ورقة الشجر، أما لدى الرومان فقد كانت خشبية مطلية بالذهب ومزينة بالنقوش. وسادت المراوح المستديرة بين نساء الإمبراطورية الرومانية. كما ربط بعض الصينيين المراوح ببعض الشخصيات التاريخية الغامضة عندهم.

في شرق آسيا

ويقال إنه بدأ استخدام الصينيين للمراوح في عهد الإمبراطور هسين يوان 2697 قبل الميلاد. وتقول الأسطورة إن انتشارها يعود إلى ابنة كان ـ سي التي كانت تحضر في أحد الأيام حفلا تنكريا، ونظرا لشدة الحر حينها نزعت قناعها وحركته بالقرب من وجهها بصورة متواترة سريعة كي لا يتعرف عليها الرجال. وافترضت النساء الحاضرات اللواتي كن يراقبنها أن حركتها تلك عادة جديدة سرعان ما قلدنها، وهكذا تحول القناع بعد حين إلى مروحة.

وكانت مراوح «الشاشة» هي الشائعة في المجتمع الصيني. وأول مروحة عرفت في الصين كانت من البامبو المجدول على جهة واحدة من القرن الثاني قبل الميلاد، واعتبرت جزءا من المركز الاجتماعي للناس. فلكل فئة وجنس نموذج خاص من المراوح. وهي عبارة عن صف من الريش يلتقي بمركز واحد عدن اليد.

كما باتت المروحة جزء من الرقص الصيني الفولكلوري، وتم تطوير مروحة الرقص (ماي أوغي) في القرن السابع، لتضم عشرة عيدان وورق مقوى يظهر شعار العائلة. وأبدع الفنانون في ابتكار المراوح وصناعتها واستخدموا العاج والعظام والميكا والقماش وخشب الصندل وأوراق الموز والخيزران والصدف ودرع السلحفاة.

وكان الناس يكتبون بخط يدهم أو يرسمون على غشاء المروحة لإهدائها للأهل والأصدقاء. في أسرة تانغ وأسرة سونغ تطور صنع المروحة كثيرا، فتميزت بالدقة وروعة التصميم وتنوعه. في أسرة مينغ (1368- 1644م) وأسرة تشينغ ظهرت مدرسة جديدة في الرسم، هي مدرسة الرسم على المراوح.

أما المروحة المطوية فاخترعت في اليابان في القرن الثامن وأخذها عنهم الصينيون في القرن التاسع. وكان الأرستقراطيون اليابانيون يحملون المراوح حينما يرتدون الزي الرسمي. وهي عبارة عن رقاقات من خشب السرو المربوطة معا بخيط. ويختلف عدد الرقاقات الخشبية تبعا لمكانة ورتبة حاملها. وتستخدم تلك المراوح اليوم من قبل الكهنة كجزء من لباسهم الرسمي في البلاط الياباني.

كما اقتنى الإمبراطور والإمبراطورة المراوح واستخدماها خلال احتفالات التتويج والزواج، وهي ذات رسوم زاهية مع شرابات طويلة. ولا تزال المراوح في الشرق الأقصى تحظى بأهمية كأحد رموز الثقافة إلى جانب كونها من الهدايا التذكارية التي تلقى رواجا واسعا لدى السياح.

أوروبا

أول مروحة عرفت في الغرب يعود تاريخها إلى القرن السادس، وإن غابت بالكامل في العصور الوسطى لتعود إلى أوروبا في القرنين الثالث والرابع عشر من خلال مشاركي الحملات الصليبية في الشرق الأوسط. كما استوردها التجار البرتغال في القرن الخامس عشر من الصين واليابان.

وباتت المراوح واسعة الانتشار في القرن السادس عشر، وتظهر لوحات نساء الطبقات المخملية أنهن كن حريصات على أن يرسمن وبيدهن المروحة. كما تظهر ملكة انجلترا إليزابيث الأولى في لوحاتها وهي تحمل إما مروحة مطوية أو مزينة بالريش والمجوهرات.

وغالبا ما كانت تتدلى تلك المراوح من تنانير السيدات وتقدم مع القفازات كهدايا ملكية. وقد ضمت الهدايا التي قدمها المستكشف كريستوفر كولمبوس إلى الملكة الاسبانية إليزابيت بعد عودته من رحلته الأولى لأميركا مروحة من الريش.

وتعتبر المروحة من العناصر الأساسية في الثقافة الأسبانية على مر العصور، ومن ضمن كماليات السيدات الأسبانيات. وكان لون المروحة يعكس في معظم الأحيان الحالة الاجتماعية للسيدة وكانت عنصرا أساسيا في راقصات الفلامنجو. وفي القرن السابع عشر، استبدلت المراوح الثابتة بالمطوية، وبدأ الاهتمام النوعي والفني بها ليتم الرسم على وجهي المروحة، وكانت جودة وقيمة المروحة تعتمد على قلة المسافة أو انعدامها بين عيدان المروحة.

ووصل فن المراوح إلى قمته في القرن الثامن عشر، إذ باتت تصنع المراوح من قبل حرفيين مهرة وتزخرف من قبل فنانين لهم مكانتهم وشهرتهم. وكانوا يرسمون على الحرير والدانتيل وعلى الرق.

استخدامات المروحة في اليابان

كانت للمروحة في اليابان إلى جانب استخدامها اليومي وفي الطقوس الدينية، وظائف أخرى مرتبطة بالمسرح والأداء الراقص. وفيما يلي جانب من أدوارها:

في الدراما

كل مدرسة من مدارس مسرح نوه الخمس، تستخدم نوعا مميزا من المراوح، الذي يختلف في الشكل والإطار والنقش. ويشير الرسم عليها إلى أية مدرسة تنتمي، فهناك، (المياه المتدفقة) لمدرسة كانزي، و(الغيمات الثلاث) لمدرسة كيتا، و(السحب الخمس) لمدرسة هوشو، و(النجوم الخمس) لمدرسة كونبارو، و(النجمات التسع) لمدرسة كونغو.

في الحياة اليومية

هذا النوع عادة بقياس 23 سم للرجال، و20 سم للنساء. وقد تم تطوير مروحة ناتسو ـ سين عبر السنين إلى نماذج كثيرة، منها ذات الإطار المقوس الذي يتناسب مع رداء الكيمونو، أو التي تشد الحرير على الإطار بدلا من الورق أو بالجمع بين الاثنين.

رشا المالح