الحدائق المتحفية في مصر أصبحت من أهم المعالم الثقافية الجمالية اللافتة للنظر، بما تحتويه من زهور وأشجار وورد ترتاح اليها النفس، وتغتسل فيها من همومها، حيث يتكامل معها الإبداع الإنساني والذوق الفني باحتوائها على تماثيل بقدر ما تتيح للآخرين المزيد من الجمالية على المكان فهي تمثل في حد ذاتها قيمة فنية وثقافية وتاريخية تعبر عن الوفاء والعرفان لشخصيات تركت بصماتها في ميادين الإبداع، فبذلك تتكامل الرؤى «أناقة» ليتلقى الزائر في هذه الحدائق حزمة جمالية تشمل كل المعاني الرفيعة.

ومن هنا أصبحت تلك الحدائق محطات بصرية تعبر الحواجز نافذة إلى دواخل الناس لتتأمل وتتنفس وتتعلم في سياحة قصيرة تمتد في واقعها إلى ساعات، ولكنها تظل محفورة في دواخلهم مشعة بالأمل والإبداع.انتشار هذه التماثيل في الحدائق والميادين العامة والشوارع يعتبرها الفنان التشكيلي إبراهيم عبدالملاك تمثل قيمة جمالية، ويرى بالضرورة أن تتطابق بعض التماثيل مع الفكرة التي تعبر عنها. لافتا في هذا الصدد الى أن تمثال مثل طه حسين، لم يعبر على حد قوله عن عمق شخصية عميد الأدب العربي بل ركز الفنان الذي صنعه على الملامح الخارجية للشخصية فقط، ونفس الحال ينطبق على تمثالي الفنانة أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب.

بينما يرى النحات الدكتور محمد العلاوي أن فكرة وضع التماثيل في الحدائق والميادين تنعكس ايجابا على سلوك المواطن العادي الذي يشعر بالجمال الذي يحيط به، خاصة في ظل الضغوط التي يتعرض لها الإنسان حاليا، ولذلك فهو في حاجة للإبحار في عمل فني يساعده على نسيان همومه، وهو ما يمكن أن يتحقق من خلال نشر اللوحات الفنية والتماثيل في الميادين العامة.

الحديقة المتحفية

الحدائق المتحفية هي نوع من الحدائق المتخصصة التي انتشرت لأداء رسالة معينة وهي نشر الجمال والذوق والفن والإبداع مقدمة أكثر من هدف كل هدف منها كفيل بالتقدير، وتعد حديقة «أنطونيادس» بمدينة الإسكندرية، شمال مصر والتي أقيمت العام 1860 من أبرز هذه الحدائق وشاهدة على أهمية وحيوية هذه النوعية من الحدائق، وكان السيرجون انطونيادس - وهو تاجر من أصل يوناني - قد عهد إلى الفنان بول ريتشارد بإنشاء قصر له على غرار قصر فرساي بباريس، وإحاطته بمجموعة من الحدائق فأصبح صورة مصغرة من فرساي، وكانت وصيته إهداء القصر والحدائق إلى بلدية الإسكندرية العام 1918.

ونظرا لجمال الحدائق وروعتها كان السلطان أحمد فؤاد الأول يخصص ثلاثة أيام من كل أسبوع له ولضيوفه، وخاصة ملوك العالم للاستمتاع بجمال هذه الحدائق، ويخصص باقي الأسبوع للشعب، وتشكل الحديقة بانوراما رائعة الجمال، من الطراز الفرنسي والإيطالي والأندلسي واليوناني والروماني، والتي تزينها وتجملها مجموعة ضخمة وقيمة من الأشجار والشجيرات والنباتات المعمرة والحولية.

ويزيد من جمال وبهاء وروعة وحسن الحديقة احتضانها لعدد كبير من التحف والتماثيل، فتوجد مجموعة كبيرة من التماثيل المرمرية، والتي تصور آلهة الإغريق مثل «إله الجمال فينوس، إله الشعر أرانور وسافو» وغيرهم من الآلهة الإغريقية القديمة. كما تضم الحديقة عددا كبيرا من التماثيل التي تصور شخصيات تاريخية عالمية مثل «فاسكوديجاما، ماجلات، كرستوفر كولمبس، أدميرال نلسون» وغيرهم من مشاهير العالم.

الحرية والصداقة

وفي مدينة القاهرة يوجد العديد من الحدائق المتحفية المماثلة التي تنتشر فيها تماثيل تعبر عن شخصيات تاريخية أو عامة مثل «الحديقة اليابانية، حديقة أغاخان، حديقة الفسطاط، الحديقة المتحفية في أرض الجزيرة بالقاهرة»، حيث يحرص أبناء القاهرة وزوارها على زيارة هذه الحدائق، والتجول فيها، والتقاط صور مع الأعمال الفنية الموجودة بها.

ففي أرض الجزيرة توجد حديقة الحرية والصداقة وتبلغ مساحتها 131 ألف متر مربع، وأقيمت الحديقة في عهد الخديو إسماعيل، وتم تطويرها وافتتاحها العام 2001 . يقول المهندس محمد عبدالله عمر - مدير الحديقة إن حديقة الحرية والصداقة عندما أقيمت في عهد الخديو إسماعيل كانت تضم مساحات ضخمة للغاية، وتم اقتطاع مساحات كثيرة منها المساحة المقام عليها فندق الجزيرة حاليا بملحقاته، وتلك المساحة الموجود بها نادي القاهرة، وأيضا متحف محمود مختار ومساحات أخرى.

وأشار إلى أن الحديقة تضم مجموعتين من التماثيل، المجموعة الأولى تعبر عن الشق الأول من اسم الحديقة وهو «الحرية» ويوجد بها تمثال شاعر النيل حافظ إبراهيم والذي ولد في 4 فبراير العام 1872 وتوفي في 21 يوليو 1932، وطلعت حرب المؤسس الأول للاقتصاد المصري والذي ولد في 25 سبتمبر 1867 وتوفي 21 أغسطس 1941 والشهيد الفريق عبد المنعم رياض رئيس أركان الجيش المصري، والذي استشهد في ساحة القتال وهو يعد الجيش ويحفز الجنود للاستعداد لمعركة الشرف والكرامة، والذي ولد في 22/10/1919 واستشهد في 9 مارس 1969 وتم إقامة تمثاله بمناسبة الاحتفال بأعياد حرب أكتوبر العام 2002.

أما الشق الثاني من المجموعة المتحفية فهي تعبر عن الصداقة، حيث يوجد رمز للصداقة المصري الأرميني، والذي وضع في 15 أبريل العام 2007 لتأصيل العلاقات التاريخية بين الشعبين.

بانوراما جمالية

هناك أيضا الحديقة المتحفية الملحقة بمتحف الفنان محمود مختار أو كما يطلق عليه فنان الشعب والتي تضم عددا كبيرا من أعمال الفنان الذي ولد العام 1891 وتوفي العام 1943 عن عمر يناهز 52 عاما.

وتقول مها أحمد حسن أمين المتحف إن الحديقة تضم العديد من أعمال الفن المصنوعة من الرخام الأبيض والحجر والبرونز والنحت الفائز مثل رياح الخماسين والفلاحة المصرية وسعد زغلول وغيرها من الأعمال الفنية. وأشارت إلى أن الحديقة صممت لتكون جزءا من المتحف، وأن تكون متحفا مكشوفا لخلق بانوراما جمالية يتناسق فيها إبداع الخالق ومساهمات المخلوق في لمسة جمالية وحضارية.

عشق المنحوتات

وفي الجهة المقابلة لحديقتي الحرية والصداقة ومحمود مختار تقع دار الأوبرا المصرية أو المركز الثقافي القومي، ويقول محمد منير مدير الإعلام بالمركز إن المركز الثقافي القومي أو دار الأوبرا روعي فيها أن تكون بانوراما للثقافة والفنون بمختلف أنواعها ومجالاتها حرصا منا على أن تتواجد جميع صنوف الفن والثقافة لنقدم للزائر وجبة دسمة جدا للعقل والذوق الرفيع والإبداع.

ويضيف أن المكان يضم عددا كبيرا من الأعمال الفنية منها تمثالين لعمالقة الفن السيدة أم كلثوم والموسيقار محمد عبدالوهاب، بالإضافة لأعمال فنية مختلفة لعازفين من العصر الفرعوني والبطلمي والإسلامي لتصور تطور الموسيقى عبر العصور المختلفة. وهذا البعد بالتأكيد يكشف عن عشق المصري الى تخليد العمالقة، وعشق المنحوتات وليس أدل على ذلك من تبني وزارة الثقافة المصرية لسمبزيوم أسوان.

وهو السمبزيوم العالمي الذي يجمع فنانين من كل دول العالم للاستفادة من طبيعة أسوان الصخرية التي حباها الله بأجود أنواع الصخور، وليس أدل على عشق المصريين لفكرة الاستمرارية هو عندما تبرع المصريون بقروش قليلة لدعم الفنان محمود مختار في إنجاز تمثال نهضة مصر هذا التمثال الشامخ، وإذا كان البعض اختلف حول جودة العمل المقدم لكنه لا يختلف حول أهمية الفكرة.

شخصيات عالمية

التماثيل أو النصب التذكارية التي تضمها شوارع القاهرة وبقية المحافظات تعبر عن شخصيات لعبت أدوارا مفصلية وتاريخية منها تمثال رمسيس الشهير الذي كان يتوسط قلب القاهرة في الميدان الذي سمي باسمه قبل أن يُنقل في احتفالية ضخمة إلى منطقة الرماية في الهرم. وتوجد تماثيل أخرى لمصطفى كامل وسعد زغلول وطلعت حرب ونجيب محفوظ وأم كلثوم ومحمد عبدالوهاب وغيرهم من الشخصيات، وكذلك لشخصيات عالمية أثرت في تاريخ الإنسانية.

رموز التحرر الوطني

تضم حديقة الحرية والصداقة في أرض الجزيرة تماثيل أخرى لعدد من رموز التحرر الوطني في أميركا اللاتينية مثل تمثال الدكتور أرنولفوارنس مدريد وهو طبيب شهير ورئيس منتخب لبنما بالتصويت الشعبي ثلاث مرات، ولد العام 1901 وتوفي العام 1988، وتمثال رومان كاستيرا - زعيم التحرر في جمهورية بيرو ولد العام 1797 وتوفي العام 1867، وأيضا تمثال «خوسيه مارتي بريث» بطل كوبا القومي.

ويوجد كذلك تمثال الجنرال أيلو الفارو - زعيم التحرر في الأكوادور وتمثال رجل القانون وبطل استقلال كولومبيا ومؤسس الجمهورية «سانديرا» الذي ولد في 2 أبريل 1792 وتوفي في 6 مايو 1840، وأخيرا تمثال الجنرال برناردوا دهيميز البطل القومي لفنزويلا، والذي عاش ما بين 1778.

وكالة (دار الإعلام العربية)