ليس غريباً على مدينة كدبي أن تستلهم التراث العربي في معمارها وهندسة مبانيها الشامخة؛ فهذه المدينة التي عبرت إلى حداثة العالم التكنولوجي والمعرفي بأفق منفتح إلى الآخر تقدمت بثوب التراث العربي الواسع عبر أكثر من محور لاسيما محور المعمار والهندسة التي استطاعت به أن توظف صورة الماضي بإمكانيات الحاضر وعلومه الشاسعة وتقنياته المعجزة، فالماء والصحراء والبحر والشمس والخيمة والموجة والسفينة وكل مفردة بدوية دخلت إلى تقانة العلم الحديث وهندسته ومعماره بالشكل الباهر والجذاب.
حري أن نقول بداية إن «مركز ابن بطوطة للتسوق» ليس مركزاً وحسب؛ إنما هو متحف رائع تجلت به عناصر التراث العربي على أفضل ما يكون عبر اسم الرحّالة العربي الشهير «ابن بطوطة» فهذا المتحف المبتكر أفقٌ حداثي بصورة رحلة عربية قديمة تجسمت بواقع ست ردهات وساحات هي ملخص لرحلات ابن بطوطة في مصر وتونس والصين والسندوالهند وبلاد فارس .وذلك بتقريب أجواء الحضارة العربية القديمة إلى روح العصر الحديث عبر إمكانية استحداث جغرافية جديدة لهذه المناطق التي جابها ابن بطوطة قبل ستة قرون من ناحية الأجواء الخالصة والعمارة الإسلامية والفن العربي، ليكون هذا المكان أول مكان يُستوحى من حياة شخص مفرد ترك لنا أسفاره العملاقة، فكرّمته دبي بهذا المتحف التسويقي الذي يبقى شاهداً فذاً على عظمة استلهام نماذج مبدعة من زمن قديم وتقديمها إلى زمن آخر لا يشبهها تماماً.
على الطريق الذاهب إلى أبوظبي يمتد مركز ابن بطوطة التسويقي على مساحة كبيرة تقدر بأكثر من كيلومتر بساحاته وردهاته الست منفرداً بأجواء لا تشبهها أية أجواء أخرى.
وهذه الفرادة هي صورة حضارية مثمرة بالإبداع المعماري الذي اتجهت مفرداته إلى قصة من قصص الماضي العربي عبر شخصية المبدع الرحّالة العربي ابن بطوطة الذي ترك بلاده المغرب وسافر عبر الأصقاع والأمصار والبلدان في القرون الوسطى لمدة تسعة وعشرين عاماً قطع خلالها 75 ألف ميل بحري في مخاطر ومغامرات لا حصر لها، اكتسب فيها تجربة ثرية في المشاهدة والتدوين والتوثيق ليضع أسفاره الرائدة كتحفة من تحف أدب الرحلات القديمة في ريادة أدبية نادرة.
ردهات وحضارات
الردهة الصينية بداية المتحف. والصين بتراثها وثرائها الحضاري والمعرفي تتقدم الرحلات وتتصدر المركز بسفينة رابضة وسط مجموعة صخور ومع حديقة مزدانة بالنخل الصيني وأشجار البامبو والبابيروس والفُلام والفستق والظليات بما يشكل غابة مائية صغيرة لها قدرة الإدهاش الأولي الجاذب لجمهور يومي يتكرر ويتجدد دائماً.
الردهة الصينية حافظت على ألوان القرميد في بنائها وهو الأحمر الفاقع برسوماته المختلفة التي حاولت تقريب البيئة الصينية إلى حد ما لإسباغ جو من التفاعل المديني بينها وبين جو مدينة دبي بوصفها حاضنة اجتماعية كبيرة وفرت مستلزمات هذا التلاقي الإنساني بشموليته الكبيرة.
الردهة الهندية محتشدة كعادتها بأطايب البخور والزهور والمحلات ذات الطابع الاستهلاكي وتوزعت على محاور وواجهات مختلفة في افضية فسيحة تشي بالنوع المحلي الهندي لاسيما بوجود الفيل الهندي الضخم الذي يتوسط الردهة بما جعله مكاناً للتصوير والتقاط الذكريات والانشغالات الجميلة في جو من التضامن الاجتماعي العام.
المصمم الذي صمم الردهة التونسية كان فاعلاً ذهنياً في توصيف الحارة التونسية وتقريب أجوائها الاجتماعية والمدينية إلى زوار ابن بطوطة، فالحارة التونسية توفرت على المباني ذات الطابع اليومي ومصابيح الشوارع والنخل التي تنتصب تحت سقف الشمس والفضاء المفتوح، لذلك فهذا الجناح الوحيد الذي صُمم على أن يكون مفتوح الفضاء تحت سقف من الغيوم وإنارة تشي بالجو التونسي الحقيقي.
أما الحارة الفرعونية فهي الردهة المصرية التي تميزت بعرض النموذج التسويقي الكمالي والاستهلاكي في صفوف من المحلات المختلفة ذات الطابع المتجانس في تقديم البضاعات المتنوعة، وتبقى الساحة الأندلسية متميزة بعمارتها وزخرفتها وأعلامها الأفذاذ كعباس بن فرناس الذي يمثل النموذج الثقافي القديم بطموحاته التخيلية في الطيران والسباحة عبر الفضاء، وحتى الردهة الفارسية كانت متفردة في إيقاعاتها الحضارية القديمة التي تستقدم رحلة ابن بطوطة في أبهى حلّة من حلل الاستقبال الحضاري الجديد.
تصميم الأسفار برؤية حضارية
صار من الواضح أن تصميم المركز استوحي من أسفار ابن بطوطة بالردهات الست التي تعد ردهات نموذجية معمارياً وجمالياً نظرا لتوفر عناصر كثيرة فنية تداخلت فيما بينها لتنتج صورة جميلة من صور الماضي بإطار الحاضر المتقدم بحوافزه التكنولوجية والمعمارية والفنية.
وصار واضحاً مقدار المسافة التي تربط بين الاثنين وهي مسافة زمنية واعتبارية وجغرافية مثلثة المعنى تأسست بشكل مركز تجاري يستقطب الزوار من مختلف الشرائح الاجتماعية والوظيفية.
الاعتباري هو استيحاء البناء من حياة شخص عاش قبل ستة قرون بعدما قام برحلته المشهورة. وتمثل كل ردهات المركز بقوة الغنى الثقافي والتاريخي لحياة هذا العلامة العربي وهذا بذاته تكريم عصري لرمز من رموز الحضارة العربية في ميدانه الجغرافي. أما الجغرافي فهو دمج المسافات الطويلة التي قطعها ابن بطوطة في مشهد واحد هو البناء الكلي للمركز مع إفراد خصوصيات ردهاته التراثية والمحلية وحصر الأسفار في بقعة واحدة لتوطيد العلاقة الجمالية بين الزائر والأمكنة التي زارها ابن بطوطة على شكل أجنحة منفصلة بأجوائها لكنها مندغمة في وحدتها النفسية.
وأما الزمني فليس هناك ما هو أروع من ضغط الزمن وتكثيفه في صورة واحدة قرّبت أكثر من 600 عام إلى العصر الحديث وقرّبت أسفار ورحلات ابن بطوطة عبر الشرقيين الأقصى والأوسط وشمال أفريقيا؛ وهذا السفر الزمني الطويل والبعيد بحسابات القرون تم استحضاره بشكل جمالي في بناء أفقي انفردت فيه خصوصيات الردهات من حيث معمارها وزمنها وجغرافيتها وتاريخها وتراثها.
هذا هو ابن بطوطة
هو محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم اللواتي الطنجي رحّالة مؤرخ. ولد في طنجة سنة 703 ه/1304 م بالمغرب الأقصى. وخرج منها سنة 725 هـ فطاف بلاد المغرب ومصر والشام والحجاز والعراق وفارس واليمن والبحرين وتركستان وما وراء النهر وبعض الهند والصين والجاوة وبلاد التتر وأواسط أفريقيا. اتصل بكثير من الملوك والأمراء فمدحه مشعراً واستعان بهباتهم على أسفاره.
وعاد إلى المغرب الأقصى، فانقطع إلى السلطان أبي عنان (من ملوك بني مرين) فأقام في بلاده. وأملى أخبار رحلته على محمد بن جزي الكلبي بمدينة فاس سنة 756 هـ وسماها «تحفة الأنظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار» ترجمت إلى اللغات البرتغالية والفرنسية والإنجليزية ونشرت بها وترجمت فصول منها إلى الألمانية.
وكان يحسن التركية والفارسية. واستغرقت رحلته 27 سنة (1325 ـ 1352 م) وقيل 29 عاماً ومات في مراكش سنة 779 ه/1377 م. تلقبه جامعة كامبريدج في كتبها وأطالسها بأمير الرحالة المسلمين. ولد ابن بطوطة لعائلة عرف عنها عملها في القضاء. وفي فتوته درس الشريعة وقرر عام 1325 وهو ابن 21 عاماً أن يخرج حاجاً.
مغامرات ابن بطوطة
في رحلته التي أراد منها أن يحج إلى مكة المكرمة زار ابن بطوطة خلالها شمال أفريقيا وسوريا. ثم خرج يستكشف باقي الشرق الأوسط وفارس وبلاد الرافدين وآسيا الصغرى. ووصل إلى شبه القارة الهندية وأمضى هناك قرابة عقد في بلاط سلطان دلهي الذي أرسله سفيراً له إلى الصين. وبعد أعوام طويلة من الترحال والاستكشاف، قرابة عام 1350، بدأ ابن بطوطة طريق عودته إلى وطنه. وإلى مدينة فاس في المغرب.
وهناك، في بلاط السلطان ابن عنان، قرأ أوصاف ما رآه في أسفاره على ابن الجوزي. الذي خط منها كتاباً. وهذا الكتاب موجود بين أيدينا اليوم ويعرف بعنوان «رحلات ابن بطوطة» يتحدث عن المغامرات التي عاشها ابن بطوطة في أسفاره. فخلالها تعرض للهجوم مرات كثيرة وفي إحداها كاد يغرق مع السفينة التي يستقلها وفي أخرى أصبح على وشك أن يلاقي مصيره إعداماً على يد أحد الزعماء الطغاة. كما تزوج عدداً من المرات وعرف أكثر من عشيقة الأمر الذي جعل منه أباً للعديد من الأبناء أثناء سفره.
ابن بطوطة يصف القاهرة
«أم المدن، سيدة الأرياف العريضة والأراضي المثمرة، لا حدود لمبانيها الكثيرة، لا نظير لجمالها وبهائها، ملتقى الرائح والغادي، سوق الضعيف والقوي... تمتد كموج البحر بما فيها من خلق بالكاد تسعهم..».
ابن بطوطة يصف دمشق
«تنوع ونفقات الأوقاف الدينية في دمشق تتجاوز كل حساب. هناك أوقاف للعاجزين عن الحج إلى مكة، ومنها تدفع نفقات من يخرجون للحج نيابة عنهم. وهناك أوقاف أخرى توفر أثواب الزفاف للعرائس اللائي تعجز عوائلهن عن شرائها، وأوقاف أخرى لعتق رقاب السجناء. وهناك أوقاف لعابري السبيل تدفع من ريعها أثمان طعامهم وكسائهم ونفقات سفرهم لبلدانهم. كما أن هناك أوقافاً لتحسين ورصف الدروب، لأن كل الدروب في دمشق لها أرصفة على جانبيها يمشي عليها الراجلون، أما الراكبون فيمضون في وسط الدرب».
ابن بطوطة يصف بغداد
«ثم سافرنا إلى بغداد، دار السلام وعاصمة الإسلام. فيها شاهدت جسرين كالذي في الحلة، يعبرهما الناس صباح مساء، رجالاً ونساء. الدروب إلى بغداد كثيرة ومعمرة بإتقان، معظمها مطلي بالزفت من نبع بين الكوفة والبصرة يفيض منه بلا انقطاع. ويتجمع على جوانب النبع كالطين فيجرف من هناك ويؤتى به إلى بغداد.
في كل معهد ببغداد عدد من الحمّامات الخاصة به، وفي كل منها جرن اغتسال عند أحد أركانها يتدفق الماء فوقه من صنبورين أحدهما للماء الساخن والآخر للبارد. ويعطي كل مغتسل ثلاث مناشف، واحدة ليلفها حول خصره حينما يدخل والأخرى ليلفها حول خصره حينما يخرج والثالثة ليجفف بها جسده».
جغرافية مميزة
على الطريق الذاهب إلى أبوظبي يمتد مركز ابن بطوطة التسويقي على مساحة كبيرة تقدر بأكثر من كيلومتر بساحاته وردهاته الست منفرداً بأجواء لا تشبهها أية أجواء أخرى، وهذه الفرادة هي صورة حضارية مثمرة بالإبداع المعماري الذي اتجهت مفرداته إلى قصة من قصص الماضي العربي عبر شخصية المبدع الرحّالة العربي ابن بطوطة.
وارد بدر السالم

