قال الروائي الإيطالي الشهير إيتالو كالفينو الذي اعتبر من أعظم كتاب إيطاليا في القرن العشرين، بعد أربعين عاماً من كتابة أدب الخيال، وبعد اكتشاف وتجربة عدة طرق وأساليب، حان الوقت لأضع تعريفاً لمجمل أعمالي.

واقترح ما يلي: إن طريقتي في العمل تسعى إلى طرح الثقل. حاولت أن أزيل العبء أحياناً عن الناس، وأحياناً أخرى عن أرواح موتى، وغيرها عن المدن، والأهم أنني حاولت أن أخفف العبء عن بنية القصص واللغة . ولد إيتالو كالفينو في 15 أكتوبر 1923 في إحدى ضواحي هافانا في كوبا، وعاش فيها لمدة عامين فقط، عاد بعدها مع والديه، ماريو المهندس الزراعي وعالم النبات وإيفا الأستاذة الجامعية إلى الوطن إيطاليا. ودرس في الجامعة الزراعة إرضاءً لوالده، ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية تم تجنيده مع الفاشيين الفتيان عام 1940، لكنه هرب واختبأ في جبال الألب. وهناك انضم إلى المقاومة الشيوعية في جبال ليغويريان. واستقى من تجاربه تلك قصصه الأولى.

تناول كالفينو في روايته الأولى «الدرب إلى بيت العنكبوت» التي نشرت عام 1947، حركة المقاومة من خلال عيني فتى يافع برؤية حديثة للواقع. أما روايته الفيسكونت المشطور التي نشرها عام 1952 فقد كانت الجزء الأول من ثلاثية خرج فيها عن المحاور المألوفة المرتبطة بموضوع الحرب.

وفي عام 1957 نشر الجزء الثاني «البارون المعلق» وتحكي عن ابن بارون في القرن الثامن عشر أمضى حياته بين قمم الأشجار، أما الجزء الثالث بعنوان «الفارس غير الموجود» فقد نشر عام 1959.

ومن خلال روايته «مدن الخيال» التي نشرت عام 1972 وحققت نجاحاً واسعاً، دخل عالم السريالية حيث ابتكر بطله ماركو بولو في حلمه، مدناً لتسلية كوبلاي خان. وتوجت شهرته العالمية مع نشره لرواية «إذا في ليلة شتائية بمسافر». عام 1979 التي رسخت مكانته في الأدب العالمي.

وفي صيف عام 1985 كان قد فرغ من إعداد محاضراته الخاصة التي كان سيلقيها في جامعة هارفرد، عندما وافته المنية في 19 سبتمبر لإصابته بنزيف في الدماغ.

تتميز روايته «إذا في ليلة شتائية بمسافر». بالخيال المتحول الذي تسعى فيه الكتابة الواعية إلى إدراك الخيال كصنعة مرتبطة بالواقع. ويصبح القارئ في هذه الرواية بطل العمل، ويتماهى بشخصية بطلها الذي يدعى القارئ.

ويتناول فيها عدة محاور مثل الكتابة والكتاب، النشر والناشرين، الترجمة والمترجمين، وجميع ما يمت بصلة إلى تلك المواضيع من قريب أو بعيد.

ويتجلى للقارئ من هذه المقدمة، أن العمل يتمحور حول الفكرة ليتراجع دور الشخصيات إلى الخلفية، وهو ما يتميز به أدب ما بعد الحداثة.

والرواية هنا بمثابة نداء لكل من يحب القراءة فعلياً، إذ يطرح سلسلة من التساؤلات التي تحفز القارئ على التساؤل مثلاً، لم يحب القراءة؟ وكيف يحبها؟ ولمن تكتب الكتب؟ ومن التساؤلات ينتقل إلى تقديم أهم النظريات الخاصة بالكتابة والأدب وتناقضاتها وتداخلها وتنافسها فيما بينها.

وروايته تلك من الأعمال التي تتحدى القارئ وتتطلب منه التركيز والصبر، ليتمكن من إدراك لعبة كالفينو والاشتراك فيها. ويمهد كالفينو لهذا التواطؤ من خلال الحوار المطول بينه وبين القارئ في الفصل الأول، إذ يصف في البداية حالة القراءة وطقوسها الخاصة ابتداءً من شراء الكتاب وحتى قراءته.

ويتم في الفصل الثالث التعرف على بطل الرواية، وهو القارئ الذي يشتري كتابه الذي نتحدث عنه، ليكتشف لاحقاً خطأً في طباعة أو تجميع الكتاب حيث يتضمن بداية عشر روايات كل منها بأسلوب مختلف لتتناول في مجملها أساليب الرواية المعاصرة من شرق أوروبا إلى أميركا اللاتينية.

في حين يبدأ الفصل الثاني برواية تتوقف أحداثها عند الوصول إلى ذروة الحبكة مما يشعر القارئ بالضيق والإحباط، لاسيما حينما يكتشف أن ما قرأه إنما لكاتب بولندي لا صلة له بكتاب كالفينو.

حينما يكتشف القارئ هذا الخطأ يعود إلى المكتبة، وهناك يتعرف على قارئة أخرى تدعى لودميلا تواجه ذات المشكلة، ومعاً تبدأ رحلة بحثهما عن بقية الرواية.

وبعد عدة صعوبات يقرران البحث عن بقية رواية الكاتب البولندي، ويدخلان حينها في متاهات جديدة، دون التوصل إلى متعة العيش في الحكاية التي ينشدها القارئ عبر نسيان نفسه أو الزمن أو المحيط من حوله وربما كلها معاً.

وبذا يدفع كالفينو القارئ الخارجي للتماهي مع شخصية القارئ في التأرجح بين نشدان متعة العيش في الخيال والاتصال المستمر بالحياة الواقعية المحيطة به، أي بين الخيال والواقع حيث يحرص أن تكون إحدى قدمي القارئ باستمرار مرتكزة على أرض الواقع.

وخلال رحلة بحثهما يلتقيان بالمترجم التائه والناشرين والمطابع والتي من خلالها يتعرض كالفينو لواقع وحقيقة عالم كل منها وما يجري فيه.

ومع تعدد اللقاءات تتوطد الصداقة بين القارئين، ليتابع القارئ الخارجي أحداث قصتهما في فصول تتناوب بين حكايتهما وبدايات الروايات العشر، لتأخذ الفصول ذات الأرقام الفردية من أصل 22 فصلاً، التواصل بين الكاتب وشخصية القارئ أو القارئ الخارجي. وفي الخاتمة يختار بطل كالفينو نهاية سعيدة أسرع وأسهل لحياته من خلال زواجه بلودميلا، كتعويض عن إخفاقه في الوصول إلى تتمات الروايات العشر.

الكتاب: إذا في ليلة شتائية بمسافر

تأليف: إيتالو كالفينو

الناشر: هارفست أتش بي جيه بوك 1982

الصفحات: 276 صفحة

القطع: المتوسط

If on a winter

night a traveler

Italo Calvino

Harvest/HBJ Book 1982

P. 276

رشا المالح

ralmaleh@albayan.ae