الفكرة الأساسية التي ينطلق منها هذا الكتاب عن «الصين والولايات المتحدة، عوامل الانجذاب وأسباب التنافر» هي أن الولايات المتحدة وجمهورية الصين الشعبية قد دخلتا في سباق محموم من أجل زعامة العالم . والمؤلفان يبحثان تحديدا في نقاط القوة ونقاط الضعف التي تتمتع بهما كل قوة من القوتين الساعيتين إلى الهيمنة العالمية. وإذا كان التنافس هو السمة التي يتم التأكيد عليها في العلاقة الصينية ـ الأميركية فإن المؤلفين يؤكدان أيضاً على أن الصين والولايات المتحدة هما أيضاً قوتين متكاملتين .

متنافستان أم شريكتان؟ وما هي طبيعة الروابط القائمة بين الصين والولايات المتحدة منذ مطلع عقد التسعينات في القرن الماضي (العشرين)؟

هذان السؤالان، وعدد غيرهما، يحاول المؤلفان الإجابة عنها في الفصول السبعة التي يتألف منها الكتاب والموزعة بين قسمين رئيسيين يخص القسم الأول العلاقات بين الدولتين ويتعرض القسم الثاني إلى التداخل بين المجتمعين . وتبحث الفصول عامة في التاريخ المختصر للعلاقات الصينية ـ الأميركية حتى القطيعة التي ترتبت على أحداث عام 1989 ثم تتم دراسة مراحل تطور العلاقات الصينية ـ الأميركية والديناميات التي حكمتها في العقدين الأخيرين من القرن العشرين، وهذا قبل أن يجري التعرّض على مدى فصل كامل لـ «المسألة التايوانية».

كذلك تتم دراسة موازين القوى بين الصين والولايات المتحدة على أساس دراسة الأبعاد الاجتماعية ودور الهجرات والعلاقات التجارية والعلاقات الثقافية والتقاليد. وإجمالا يحاول المؤلفان رسم صورة مستقبلية للقوانين الأميركية والصينية بناء على المعطيات السائدة في الحقبة الراهنة.

وتشير التحليلات المقدّمة إلى أن الشراكة الإستراتيجية الصينية ـ الأميركية تعرّضت لهزّة حقيقية مع انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991، ذلك أن تفكك الخصم المشترك لكل من الصين والولايات المتحدة جعل ضرورة التعاون بينهما أقل ضغطا . لكن تدريجيا أدرك الأميركيون والصينيون أن ضرورة أخرى تفرض نفسها عليهما في سبيل السعي نحو التقارب ، وهي الضرورة الناتجة عن التداخل الاقتصادي المتنافي .

بهذا المعنى فتحت نهاية الحرب الباردة السبيل نحو حدوث تبدل كبير في العلاقات الصينية ـ الأميركية. وكان التعبير الأكبر لمثل ذلك التبدل هو أن الرهانات الاقتصادية ومسائل حقوق الإنسان لم تعد تخضع لنفس الشروط التي كانت قائمة عندما كانت موسكو هي القطب الأساسي في المعسكر المناوئ للمعسكر الذي تتزعمه واشنطن.

على الجانب الأميركي بدت السياسة التي تتبعها الإدارات الأميركية حيال الصين أكثر تقلبا بسبب تأثرها بعدد من الدوافع، المتناقضة غالباً، وأيضاً بسبب العدد المتعاظم لأولئك المعنيين بتحديد خطوط تلك السياسة الأميركية حيال بكين. وعلى الجانب الصيني أيضا، يشير المؤلفان إلى وجود نوع من اللامركزية النسبية فيما يتعلق بالقرارات على صعيد السياسات الخارجية الصينية.

ويتم التأكيد في هذا السياق أيضاً على أن التعقيد الذي شهدته الأوضاع بعد انهيار الاستقطاب الثنائي الدولي بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي، أدى إلى نوع من التأرجح في العلاقات الأميركية ـ الصينية الراهنة. ولا يترددان في القول إن هذه العلاقات تتسم بقدر كبير من عدم الوضوح مما يؤدي إلى نوع من المزج الغريب بين الانجذاب والتنافس . وهذا الازدواج في طبيعة العلاقات يؤدي بدوره إلى حالة من التفّرد ترغم كل طرف من الطرفين على البحث عن اختراع سياسة خارجية جديدة . هذا لاسيما أن نمو كل منهما يرتبط إلى حد كبير بنمو الآخر.

وكتعبير عن تفرّد العلاقات الأميركية ـ الصينية يُطرح السؤال التالي: هل الصينيون والأميركيون هم أفضل الأعداء في العالم كما يمكن الاستشفاف من روابطهما التي تثير المخاوف في العالم أجمع ؟

إن المؤلفين، وفي معرض الإجابة عن مثل هذا السؤال يعودان إلى بداية القرن الماضي (العشرين) ليؤكدان أن الدعم الأميركي للصين آنذاك في مواجهة اليابان غيّر الكثير من المعطيات القائمة.

لكن وصول النظام الشيوعي بقيادة ماوتسي تونغ في عام 1949 إلى السلطة في بكين أحدث قطيعة كبيرة في العلاقات الصينية ـ الأميركية. ولم تقم الولايات المتحدة بأي تقارب مع الصين بعد ذلك إلا في إطار المواجهة الأميركية مع الاتحاد السوفييتي السابق. وتتم الإشارة في هذا السياق إلى الزيارة التي قام بها الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون إلى بكين عام 1972 والتي شكّلت منعطفاً كبيراً في الحرب الباردة .

ويؤكد المؤلفان على أن ذلك التقارب الأميركي ـ الصيني كان له دور في سقوط الاتحاد السوفييتي. فالمساعدة المشتركة للمقاتلين في أفغانستان والتهديدات الدبلوماسية وتبادل المعلومات، أموار شكّلت نقطة الانطلاق في تعاون جديد و انجذاب أميركي للصين كان وزير خارجية أميركا الأسبق هنري كيسنجر من أكثر المتحمسين له.

بالمقابل يتم التأكيد أن الآمال بقيام عالم متعدد الأقطاب تكون الصين عنصرا فاعلا فيه على مسرح العلاقات الدولية تبخّرت تماما بين الصحراء العراقية والسفارة الصينية في بلغراد ، والتي كانت قد أصابتها صواريخ أطلسية عند عمليات القصف التي استهدفت صربيا. ثم كانت تفجيرات 11 سبتمبر 2001 كمنعطف جديد باتجاه ازدهار العلاقات الثنائية الأميركية ـ الصينية على خلفية مكافحة الإرهاب الدولي .

الكتاب: الصين ـ الولايات

المتحدة، عوامل

الانجذاب وأسباب

التنافر

تأليف: ستيفاني بالم،

دانييل صباغ

الناشر: اوترومون ـ باريس

2008

الصفحات: 170 صفحة

القطع: المتوسط

Chine / Etats Unis fascinations et rivalités

Stéphanie Balme

Daniel Sabbag

Autrement Paris 2008

P.170