«نهاية الثقافات الوطنية؟» عنوان كتاب بصيغة الاستفهام، ويحاول هذا الكتاب الإجابة عليه في قسمين رئيسيين تتوزع بينهما مساهمات المشاركين. يحمل القسم الأول عنوان: «العولمة والهويات والثقافة» أما عنوان القسم الثاني فهو: التنوّع الثقافي في الواقع الملموس . وتحمل مساهمات ـ فصول القسم الأول العناوين التالية: الثقافة والاختلاف: تحديات التعددية الثقافية ومسار عولمة الصناعات الثقافية والتنوع والحقوق الثقافية .
وعناوين مساهمات ـ فصول القسم الثاني من الكتاب هي: الثقافات السياسية والتنوع في المملكة المتحدة ـ بريطانيا و هل هناك ثقافة تنوع ثقافي ؟ و»الهجرة والسياسات الثقافية في كاتالونيا الاسبانية و الثقافة والتنوع: مقارنة فرنسية ـ اسبانية ومقارنة بين أصعدة سياسية«.
مساهمات هذا الكتاب تدور كلّها، كما تبيّن عناوينها، حول تساؤل عريض قد تمكن صياغته بكيفية أقلمة السياسات الثقافية مع واقع التنوّع في عالم اليوم؟ هذا على خلفية القول بداية ان صدام الثقافات أخذ بعدا كبيرا في العقدين الأخيرين بفعل عاملين أساسيين. العامل الأول هو نهاية الاستقطاب الثنائي الدولي بين معسكرين غربي وشرقي حملا قيما مغايرة وفي حالة تنافس . كما كان من نتيجة نهاية النزاع بين الغرب والشرق إحياء المجابهات القديمة ذات الطابع الاثني أو الديني أو الثقافي. والعامل الثاني هو تعاظم ظاهرة الهجرات التي أدّت إلى تواجد بشر متنوعين ومتعددي الثقافات في نفس الإطار الجغرافي.
وتتمثل إحدى السمات التي تؤكّد عليها التحليلات المقدّمة في هذا الكتاب في التأكيد على أن مفهوم التنوع الثقافي أصبح ذا قيمة معيارية في السياسات العامة، وفي سياق عولمة متسارعة للاقتصادات والمجتمعات. أما الوجه الآخر لوصول هذا المفهوم إلى مصاف المعيار فيكمن في وضع الثقافات الوطنية للسياسات الثقافية التي ترعرعت وتطورت خلال القرن العشرين موضع التشكيك هي الأخرى.
وإذا كان هناك قديما نوع من التمازج بين الهوية الوطنية و الهوية الثقافية ، فإن مثل هذا التمازج قد جرى كبحه. بل أصبح الفرد نفسه في المجتمعات ذات الواقع التعددي هو نفسه تحت تأثير عدة هويات .
ومن النقاط التي تتركز حولها النقاشات في هذا العمل، التأكيد على ضرورة استثناء الإنتاج الثقافي من منطق السلع التجارية التي يتم تداولها حسب قواعد اقتصاد السوق. ومثل هذه الدعوة لـ «الاستثناء الثقافي» تكاد لا تخفي بالكاد الدعوة إلى عدم قبول الهيمنة الثقافية الانكلوسكسونية . وذلك على قاعدة التأكيد أن أحادية النمط الثقافي العالمي، إنما تشكل مساهمة في قتل الثقافة. لكن مثل هذا التأكيد على الخصوصية الثقافية وضرورة حمايتها في مواجهة الثقافات الغازية ينبغي أن لا يطمس مشاكل ثقافية ذات طابع محلي والتي تشكل عامة جزءا من مشاكل الأقليات بصورة عامة، كما يشير أكثر من مساهم.
وتتم أيضاً مناقشة مفهوم التعددية الثقافية بإسهاب في هذا الكتاب باعتبار أن هذا المفهوم يعبّر عن ظاهرة جديدة كانت ولادتها في الولايات المتحدة الأميركية خلال عقد السبعينات الماضي. وذلك في مواجهة تيارات عريضة كانت تدعو إلى نوع من التمثّل الثقافي للجميع في بوتقة الثقافة السائدة.
وقد عنت التعددية الثقافية أولا احترام الثقافات المختلفة التي تتعايش فيما بينها في إطار جغرافي معيّن وبحيث يتم اعتبار قيمة كل منها مساوية لـ «قيمة» مختلف الثقافات. هنا تثار باستمرار تقريبا مشكلة الانحراف نحو نوع من الانتماء الطائفي .
ولعلّ أكثر المهمات دقّة التي تعرّض لها المساهمون في هذا الكتاب تكمن في تعريف العولمة من وجهة نظر السياسات الثقافية وما عرفته هذه السياسات من تغييرات حقيقية في سياق ما بعد سقوط جدار برلين في خريف عام 1989. ومهمة أخرى لا تقل دقّة وتتعلق بمعرفة عمّا إذا كانت السياسات الثقافية المعنية هي بمثابة حصان طروادة من أجل خدمة المصالح التجارية أو أنها تمثل طريقة جديدة لمعالجة مشكلة الهويات داخل مجتمعات تتعدد فيها الثقافات؟
ويتم التوصل في المساهمات الأخيرة من هذا الكتاب، المكرّسة لدراسة مجموعة من الحالات العينية، إلى القول ان التعددية في إطار السياسات الثقافية المختلفة يتم تفسيرها حسب طرق تختلف هي الأخرى حسب السياقات الوطنية المعنية بها. هكذا مثلا تبدو الحالتان الانجليزية والهولندية في حالة تناقض مع حالات إيطاليا واسبانيا وفرنسا. وفي جميع الحالات تبقى طريقة معالجة البلدان لمفهوم التنوع الثقافي مرهونة أولاً بـ «علاقتها التاريخية الخاصة مع مفهوم الآخر، الغير». كما أنها مرهونة، بدرجة ثانية، بتطور السياسات الثقافية المعاصرة وبدرجة مركزية الدولة. وبكل الحالات يتم التأكيد على أن مناقشة التنوع الثقافي تتطلب قبل أي شيء عملية نقد قائمة على أساس تحليل مقارن . وهذا ما يفعله عمليا المساهمون في هذا الكتاب.
ولعلّ الميزة الأساسية لهذا الكتاب هي في أنه يجمع أخصائيين من عدة بلدان ويناقشون تجارب وطنية متنوعة. وهم ينتمون إلى ثمانية بلدان تتوزع في عدة قارات ويقدّمون جميعهم رؤية نقدية للسياسات الثقافية بعيدا عن جميع الأفكار والأحكام المسبقة.
المشرفان في سطور
لويس بونيه، أحد المشرفين على هذا الكتاب هو أستاذ للاقتصاد في جامعة برشلونة. كرّس أعماله لتحليل السياسات الثقافية على الصعيد الأوروبي والدولي، وذلك بالاشتراك مع زميله والمشرف الآخر على الكتاب، ايمانويل نيغرييه الذي يحمل شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية ويعمل باحثا في المركز القومي الفرنسي للبحث العلمي، وتحديدا في مركز الدراسات السياسية حول أوروبا في مدينة مونبلييه.
سبق للمشرفين وقدّما معا عملا تحت عنوان السياسة الثقافية في اسبانيا ، وقد صدر عن دار نشر «كارتالا» الباريسية خلال عام 2007.
الكتاب: نهاية الثقافات
الوطنية؟
السياسات
الثقافية أمام
امتحان التنوّع
تأليف: لويس بونيه،
ايمانويل نيغرييه
وآخرون
الناشر: لاديكوفيرت
باريس 2008
الصفحات: 230 صفحة
القطع: المتوسط
La fin des cultures nationales les politiques culturelles à lépreuve de la diversité
Lluis Bonet، leunammE te Negrier et
La Decouverte-Paris 2008
P.230
