«الحرب في القرن الحادي والعشرين»، كتاب يدعو المؤلف فيه قارئيه إلى تبني رؤية جديدة للحرب. وما يؤكده منذ البداية هو أن الحرب، وعلى عكس ما يقال وما يتردد لم تمت ، كما أن التاريخ لم ينته ، بل على العكس تتمثل أطروحته بالنسبة للقرن الحادي والعشرين أنه سيكون قرنا من النار والدم ، كما يقول العنوان الفرعي للكتاب، وعلى غرار القرن الماضي العشرين .
ويشرح المؤلف في هذا الكتاب أطروحة تقول أنه إذا كان قد طرأ تطور كبير على طرق الحرب وأساليبها فإنها هي بـ «ذاتها» لم تتغير ولم تتبدل، مهما كانت الحقب والتقنيات والخصوم والأسباب التي تندلع من أجلها. ويرى المؤلف أن هذا القرن، الحادي والعشرين، سوف ينتج من الحروب غدا ما يعادل بالقسوة والدمار تلك الحروب التي شهدها الأمس ، القريب والبعيد. ومن الممكن القول إن هذا الكتاب يقدّم رؤية تتمحور حول عدد من الأفكار الأساسية التي تتردد بأشكال شتى على مدى صفحاته الأربعمئة. الفكرة الأولى تقول إن الحرب تشكل عنصرا أساسيا ثابتا في تاريخ الإنسانية، والفكرة الثانية هي أن السياق السياسي هو الذي يشكل العنصر الحاسم الأول في اندلاع الحروب وفي تحديد طبيعتها، على أساس أنها أولا تعتبر نشاطاً اجتماعياً وثقافياً بمقدار ما هي نشاط إستراتيجي أو تكنولوجي . والفكرة الثالثة تقول إن المفاجأة الإستراتيجية تشكل أمراً لا مفرّ منه بالنسبة للمستقبل، وبالتالي إذا كان من المطلوب حكما متابعة الجهود من أجل الحد من الحروب والسيطرة عليها، فإن هذا لا يعني أبدا أنه سيتم وضع حد نهائي لها. وبناء على مثل هذه الرؤية يغدو مستقبل البشر هو أيضاً مستقبل الحرب
هذه الأفكار الأساسية والكثير غيرها يستعرضها المؤلف في الأقسام الثلاثة التي يتألف منها الكتاب والتي تحمل العناوين التالية: معطيات أساسية ثم الحرب في القرن الحادي والعشرين وأخيراً ترويض الوحش ، بمعنى السيطرة على الحرب.
يبدأ المؤلف مقدمته لهذا الكتاب بجملة كتبها الفيلسوف اليوناني أفلاطون قبل 80 قرنا وجاء فيها: الموتى وحدهم رأوا نهاية الحرب . ويشير في بداية الفصل الأول أن الحرب استمرّت حاضرة في التاريخ الإنساني بعد أن قام البشر ب«ثورتهم الزراعية» قبل 6000 سنة من الميلاد واستمرت بعد ثورتهم الصناعية والعلمية في القرنين التاسع عشر والعشرين. لذلك قد ينبغي إذن التنبؤ، دون مخاطرة كبيرة، أن الحرب ستميل نحو التأقلم مع مجمل التبدلات التي ستتكدس على طريقنا نحو المستقبل على الأصعدة التقنية والاقتصادية وعلى صعيد العادات السياسية والاجتماعية .
بالمقابل يحذر المؤلف منذ الصفحات الأولى للكتاب من أخطار التوقعات المستقبلية . ويشير إلى قاعدة عامة معروفة تقول إنه بمقدار ما يكون التوقع المستقبلي مفصّلا يفترض أن تكون فائدته أكبر. لكن بالمقابل تبقى درجة التفصيل متناظرة إلى حد كبير مع درجة الخطأ .
والتوقع الذي يشرحه المؤلف على مدى فصل كامل يتمثل في القول إن المستقبل ينبئ بإمكانية شن حروب، وهذا ما يتوصل إليه من خلال دراسة السياق الذي يشهده العالم اليوم. وقد اختار المؤلف لهذا الفصل عنوانا يقول: السياق، ودائما السياق . ذلك اعتبار أن السياق العام هو الذي يعطي لجميع النشاطات معناها ودلالتها. وكان منظّر الحرب الكبير كلاوزفتس قد أكّد على عدم إمكانية اعتبار الحرب كـ «نشاط» مستقل بذاته عن غيره من النشاطات. وينقل عنه المؤلف قوله: ينبغي العلم أن الحرب لا يمكن أبدا فهمها على أنها حقيقة مستقلة بذاتها، وإنما على أساس أنها أداة للسياسة، وإلا فإن تاريخ الحرب كله يغدو عبثا .
ويكرّس المؤلف فصلا لدراسة الحرب النظامية وذلك لتمييزها عن الحرب غير النظامية . هذان النمطان من الحرب هما ما ستكون عليه الحرب القادمة. ويفتح المؤلف هنا قوسين كي يشير إلى أن الحروب من أجل السلطة السياسية قد استمرت دون انقطاع منذ أواسط القرن السابع عشر وحتى عام 1991، أي حتى حرب الخليج الأولى.
كما يتم التأكيد في نفس هذا الإطار أن الحروب الشاملة ، العالمية، التي شهدها العالم مرّتين خلال القرن العشرين وكانت نتاجا للحقبة الصناعية. لكن حروب القرن الحادي والعشرين ستكون من نمط جديد لا يقوم على حشد الجيوش الكبرى، فالمهم سوف يكون هو النوعية وليس الكميّة التي يمتلكها هذا الجيش أو ذاك. ومثل هذه الحروب النظامية المستقبلية الكبرى أو الصغرى ستلعب فيها النوعية دوراً أكبر من الكم .
ويتم التأكيد على أهمية نوعية الفكر التي تشكل خلفية للحروب. وتمثل أسلحة الدمار الشامل مركز اهتمام المؤلف في أحد فصول الكتاب. وتدل الإحصاءات المقدمة على أن الولايات المتحدة كانت تمتلك في عام 2004 رؤوس نووية عملياتية تصل إلى 5968 رأسا إستراتيجيا و1120 رأسا شبه إستراتيجي ، أي ما مجموعه 7088 رأسا بينما تمتلك روسيا 4978 رأسا إستراتيجيا و2980 رأسا شبه إستراتيجي أي ما مجموعه 7958 رأسا. وتأتي فرنسا في المرتبة الثالثة بامتلاك 388 رأسا إستراتيجيا ثم الصين فبريطانيا فإسرائيل الحائزة على 200 رأس شبه إستراتيجي .
وتتمثل إحدى السمات الجديدة في حروب القرن الحادي والعشرين في أن أحد ميادينها سيكون الفضاء مع دخول المعلوماتية كأحد المعطيات الأساسية فيها.
ويتم تشبيه دخول هذه العناصر الجديدة في موازين الحرب، وخاصة انفتاح الفضاء بتبدل نوعي مثل ذلك الذي عرفته الحرب مع دخول الطيران إلى المعركة أثناء الحرب العالمية الأولى.
المؤلف في سطور
يعمل مؤلف هذا الكتاب منذ عام 2000 أستاذا للعلاقات الدولية والدراسات الإستراتيجية في جامعة ريدنغ الانكليزية. وعمل لمدة ربع قرن تقريبا مستشاراً لدى الحكومتين الأميركية والبريطانية.
وكانت له مساهماته في إعداد السياسة المتعلقة بالإستراتيجيات النووية والسيطرة على التسلح ودور القوات الخاصة. قدّم المؤلف للمكتبة العالمية ما يزيد عن عشرين كتابا في الإستراتيجيات الحربية من بينها: الدراسات الإستراتيجية والسياسة العامة: التجربة الأميركية والحرب والسلام والانتصار: إستراتيجية للقرن القادم والإستراتيجية الحديثة والعصر النووي الثاني، الخ.
الكتاب: حروب القرن الحادي والعشرين
قرن جديد من النار والدم
تأليف: كولن س. غراي
الناشر: ايكونوميكا ــ باريس2007
الصفحات: 525 صفحة
القطع: المتوسط
La guerre au XXIe siècle، un nouveau siècle de feu et de sang
Colin S. Gray
Economica-Paris 2007
P.416

