في هذا الكتاب جون ماكين ووسائل الإعلام يحاول المؤلفان دافيد بروك وبول والدمان أن يبيّنا الدور الذي لعبته وسائل الإعلام الأميركية في النقاشات السياسية التي أحاطت بترشيح سناتور ولاية اريزونا إلى المنصب الرئاسي الأميركي عن الحزب الجمهوري. هذا مع الإشارة إلى أن موقفه كان ضعيفا عند بداية الانتخابات الأولية لتحديد المرشح، وذلك في مواجهة رودلف جولياني.
ويتم التأكيد بداية أن المجتمع الأميركي يعيش في كنف ثقافة إعلامية جعلت إحدى مهماتها هي تقصّي المسارات السياسية و الشخصية لرجال السياسة الأميركيين من أجل إبراز نقاط ضعفهم أو مكامن الرياء في سلوكياتهم. لكن مؤلفي هذا الكتاب يؤكدان أن رجل سياسة أميركي واحد استطاع أن ينجو من هذه المعاملة ، بل وأن يحظى بالكثير من المحاباة بحيث أن الصحافة وغيرها من وسائل الإعلام الأميركية ساهمت في أن »مردود« كل ما يفعله إيجابيا . هذا السياسي هو بالتحديد جون ماكين، المرشح الجمهوري للانتخابات الرئاسية القادمة بعد حوالي شهرين من الزمن. ويؤكد المؤلفان بالاعتماد على تقديم سلسلة من الشواهد الملموسة المأخوذة من مختلف وسائل الإعلام الأميركية أن جون ماكين قد حظي بدعمها دائما وحتى في أحلك الفترات التي مرّت بها مسيرته الانتخابية للترشيح، مثلما كان الأمر في عام 2007 وحيث كانت شعبيته هي في أدنى مستوياتها. ذلك عندما أراد البعض تشويه صورته عبر التأكيد على عدم انسجام تصريحاته. وسائل الإعلام هذه أكّدت بالمقابل أن ماكين هو أبعد ما يكون عن عدم الانسجام وعن الإدلاء بأية تصريحات مغلوطة«. باختصار جرى تقديمه على أنه رجل متفرّد بين الساسة الأميركيين.
ويشير المؤلفان إلى وسائل الإعلام الأميركية قد أجمعت تقريبا على تقديم صورة لسناتور اريزونا جون ماكين تتسم بعض الصفات الأساسية وفي مقدمتها أنه بطل حربي كان قد عرف خمس سنوات ونصف من السجن في معتقل بفيتنام الشمالية، وأنه أيضا: »رجل صريح لا يتردد في شن هجوماته وانتقاد الجميع بما في ذلك حزبه السياسي .
ويتم في هذا السياق ذكر مواقفه حيال شركات صناعة التبغ الكبرى وحيال المسائل المتعلقة بسياسات الإصلاح المالي. وفي المحصلة ساهمت وسائل الإعلام في تقديم ماكين على أنه مرشح قادر على جذب الجماهير .
ولا يتردد المؤلفان في التأكيد أن غرام الصحافة الأميركية حيال جون ماكين قد بدأ منذ حملت الترشيح للانتخابات الرئاسية عام 2000، ولم ينقطع ذلك الغرام بعد ذلك، مما يشكل واقعة فردية في التاريخ السياسي للصحافة الأميركية ، كما يكتبان.
بل ويؤكد المؤلفان أن تعاطف الصحافة الأميركية مع ماكين لم يخفّ خلال السنوات التالية. هذا في الوقت الذي يؤكدان فيه أيضاً أن وسائل الإعلام معروفة عامة بشهيتها الكبيرة في التعرّض لأي خلل في السلوك، لكنها غضّت النظر عن روايات السناتور المثيرة للغضب وعن حس الدعاية المبتذل أحيانا لديه وعن روابطه المثيرة للشكوك .
وبالمقابل استهلك الصحافيون الكثير من الحبر للحديث عن مناقب ماكين وتجاهلوا كثيراً مسالب شخصيته وتجاهلوا بعض الملفات المالية . ولا يتردد المؤلفان في الإشارة إلى أن هناك الكثير مما يمكن أن يقال حوله.
ويقف المؤلفان على مدى العديد من الصفحات الكيفية التي استطاع فيها جون ماكين، سناتور اريزونا المحافظ، أن يكسب شهرة أنه رجل صريح . وهما يتوصلان إلى صياغة الآراء المقدّمة عبر عملية رصد وتحليل للصورة التي قدّمتها وسائل الإعلام عنه وللمسار الذي عرفته حملته الانتخابية.
ويشيران إلى أن المديح هو الصفة الغالبة التي سادت في الصحافة الأميركية عن ماكين منذ سنوات. ويتم تحديد ثلاثة ركائز أساسية لذلك تتمثل في تجربته الفيتنامية وحملته في سبيل الإصلاحات وأسلوبه في التعامل مع رجال الإعلام .
هذا الثالوث من الصفات هو الذي قامت عليه شهرة جون ماكين على أنه رجل صريح ومستقل وواضح المواقف . وهنا يفتح المؤلفان قوسين كي يؤكدا أن هذه الصفة قد ألصقها الصحافيون به ولكن دون أن يقدّموا تفسيرا دقيقا للأسباب الداعية إلى اعتباره رجلا استثنائيا .
ويكرّس المؤلفان في هذا السياق الكثير من الصفحات أيضاً لتفحّص ملف الإصلاحات المالية الذي وجد مكانة خاصة في حملة ماكين الانتخابية، وكان هو الآخر أحد الركائز التي قامت عليها شهرته ك«رجل صريح» لا يتردد في معارضة النهج «الرسمي» لحزبه إذا اقتضت المصلحة العامة ذلك.
وبعد أن يشير المؤلفان إلي خبرة ماكين الطويلة في هذا الميدان والدعم العام الذي يلقاه موقفه لدى شرائح هامة من الرأي العام الأميركي، يؤكدان على أن النتائج التي توصلت إليها مساعيه في هذا الميدان، ضمن إطار اللجن التشريعية، لم تكن حاسمة، كما أن النفقات العامة قد ازدادت.
هذا فضلا عن قضية الأعضاء الخمسة في مجلس الشيوخ ومن بينهم ماكين، والمعروفة بتسمية الكيتنغ الخمسة المتهمين بالفساد في نهاية عقد الثمانينات الماضي وما عُرف بـ «فضيحة صناديق التوفير».
ويضع المؤلفان مواقف حيال سياسة الإصلاحات المالية في الإطار الأوسع لمساره السياسي العام كممثل للشعب في مجلس الشيوخ. ويبينان أنه قد كانت له مواقف محافظة باستمرار على صعيد السياسة الخارجية مثل الموقف الداعم لحكومة الفيليبين، كما على الصعيد الداخلي مثلما هو الأمر حيال قضية الإجهاض. وفي المحصلة، هو نتاج النخب الحاكمة ومقرّب جدا من المجمّع الصناعي ـ العسكري الأميركي.
المؤلفان في سطور
مؤلفا هذا الكتاب هما صحافيان أميركيان. سبق لدافيد بروك وقدّم عدة كتب مثل: ضجيج الآلة الجمهورية: كيف تساهم وسائل الإعلام في إفساد الديمقراطية، وله أيضاً كتاب عن تجربته الصحفية و وعي محافظ سابق .
أما بول والدمان فهو مهتم أيضاً بمسائل السياسات الإعلامية ومن كتبه أثر الصحافة: رجال السياسة والصحافة وصياغة عالم السياسة .
الكتاب: الصعود الجامح،
جون ماكين ووسائل الإعلام
تأليف: دافيد بروك ـ بول والدمان
الناشر: انكور بوكس ـ نيويورك 2008
الصفحات: 240 صفحة
القطع: المتوسط
Free Ride, John McCain and the media
David Brock,
Paul Waldman
AnchBooks - New York 2008
P.240

