المجتمع الأميركي في طريقه إلى «الهذيان»، هذا ما تؤكده مؤلفة هذا الكتاب سوزان جاكوبي ، مؤلفة هذا الكتاب «عصر الهذيان الأميركي» في الصورة التي ترسمها له اليوم. إنها صورة مقلقة ، كما تؤكد المؤلفة من موقع المراقب المباشر الذي يرى تعاظم عدة ظواهر تنمّ كلها عن تزايد حالة الجهل و اللاعقلانية و مناهضة أية نزعة فكرية في المجتمع الأميركي خلال العقود الأربعة المنصرمة، وما يمكنه أن يشكل، برأيها، تهديدا حقيقيا لمستقبل الديمقراطية الأميركية.

ومن المعلومات المثيرة التي تقدمها المؤلفة قولها، بالاعتماد على استطلاعات رأي وإحصاءات وتقارير أعدّتها مراكز مختصة، أن أغلبية الأميركيين على »قناعة تامة بوجود الأشباح كحقائق ثابتة لها دورها الفاعل والنشيط في مختلف قضايا البشر وحياتهم اليومية، وأن الشباب الأميركيين الذين تقل أعمارهم عن 15 سنة يحتلّون المرتبة 24 في مادة الرياضيات من أصل قائمة تضم 29 بلدا، وهناك نسبة 30 بالمئة من الأطفال الأميركيين الذين تقلّ أعمارهم عن الثلاث سنوات لديهم جهاز تلفزيون في غرفهم الخاصة بهم. وبمقابل سلسلة من الشواهد على تعميم الجهل هناك أيضاً غياب متزايد للكتاب وبالطبع للقارئين وفي المحصلة هناك عدد أقل من الأصدقاء بالنسبة للبالغين مما كان عليه الحال قبل 20 سنة وعدد أقل من البشر الذين يمكن نقاش قضايا هامة معهم .

إن المؤلفة، وعلى مدى صفحات هذا الكتاب التي يقارب عددها الأربعمئة صفحة تجمع بين التحليل التاريخي للواقع المعاصر وبين الملاحظة المباشرة كي تقوم بعملية تشريح لـ «الثقافة السائدة» في أميركا اليوم، والتي ترى بها ثقافة في حالة تعارض كبير مع الثقافة الأميركية الموروثة تقليديا من عصر التنوير الذي يعتبره التراث الأميركي أحد الركائز الأساسية في القيم التي يتبنّاها والتي تمثل العقلانية أحد مشاربها الأساسية. هذا إلى جانب التأكيد على أهمية نهل من المعارف الحديثة و الانكباب على دراسة العلوم.

وبعد أن تشير المؤلفة مرات عديدة إلى المرجعية التي تجدها في تحليلاتها في الكتاب الذي قدّمه ريشارد هوفستادير عام 1963 تحت عنوان «النزعة المعادية للثقافة في الحياة الأميركية» تركّز المؤلفة على رعبها الكبير من الانحدار الذي توبع منذئذ وظهر في تواضع الفهم السياسي لدى المواطن الأميركي العادي وفي حالة الخمول الاجتماعي السائدة وفي الأزمة العامة التي تعاني منها الذاكرة والمعرفة بكل ما يتعلق بالتعلم وبالتفكير.

وتنبّه المؤلفة من الأخطار الكبيرة المترتبة على مثل هذه الحالة من الهذيان الجماعي الذي أصبح بمثابة القاعدة في التفكير. وترى أن أحد الآثار المخربة لهذه الحالة تتمثل في حرب العراق الأخيرة وفي نوع من العودة بالمجتمع إلى الفترة التي تلت مباشرة الحرب العالمية الثانية. ولا تتردد المؤلفة في توجيه أصابع الاتهام إلى وسائل الإعلام التي تبث كل شيء ومهما كان بعيدا عن العقل والمنطق، فالمهم أن يكون قريبا من الكسب التجاري.

كما توجّه الاتهام أيضاً إلى إعادة بروز التيارات الأصولية الدينية حيث دلّ استطلاع للرأي أن نسبة 45 بالمئة من غير المتعلمين الأميركيين يميلون إلى التزمت الكامل والحرفي لما جاء في الإنجيل.

مثل هذا التوجه الإعلامي والميل نحو التزمت الديني ترى بهما المؤلفة بعض مؤشرات العداء للثقافة ، كما أنها تستخدم كلمات قاسية حيال ما تسميه ب«النزعات» شبه العلمية التي تزعم وصولها إلى المعرفة العلمية بينما تمارس في الواقع عملية تجهيل خطيرة، إلى هذه الدرجة أو تلك.

وتؤكد سوزان جاكوبي في تحليلاتها على وجود حالة انحطاط ثقافي تتمثل بوجود أزمة ذاكرة وأزمة ثقافة .

هذه الأزمة لا تسمح بـ «عداء الثقافة» فحسب ولكنها موضع تهليل وتمجيد من قبل وسائل إعلام لا ترى في البشر سوى أرقام . وترى جاكوبي أن مكمن الخطر الأكبر في مثل هذه الأجواء هو استحالة القيام بحوار حقيقي بين اليسار العلماني وبين اليمين الديني في أميركا، أي بين المكوّنين الأساسيين للمجتمع الأميركي، حول قضايا جوهرية مثل الفصل بين الدولة والكنيسة. ولا تتردد المؤلفة في الإشارة إلى عدم تفاؤلها في تحسين الوضع بالمستقبل القريب فـ «معرفة الأميركيين تتدنّى أكثر فأكثر» كما تقول.

وإذا كانت المؤلفة تقبل مقولة ان الأميركيين لم يكونوا في أي يوم من الأيام من المحبّين للنخب ، إذ يعتبرون أن هذه النخب ليست ديمقراطية . فإنها تشير بالمقابل إلى توسع إطار مفهوم النخبة كي يطال كل إنسان يهتم بالثقافة وغدا أي أميركي يقرأ كتابا أو كتابين هو اليوم بمثابة أميركي مثقف .

وهذه الصفة أصبحت، بمعنى ما، بمثابة استهزاء بصاحبها. مثل هذه الحالة هي بعيدة جدا عما قاله ذات يوم توماس جيفرسون وجاء فيه: إذا شاءت أمة أن تكون جاهلة وحرّة بنفس الوقت فإنه ما كانت يوما كذلك ولن تصبح في أي يوم من الأيام كذلك . المشكلة بالنسبة لأميركا اليوم تراها المؤلفة في أن الأميركيين هم للأسف جهلة والأسوأ أنهم فخورون بذلك.

المؤلفة في سطور

تساهم سوزان جاكوبي، مؤلفة هذا الكتاب، بالكتابة في العديد من المجلاّت والصحف الأميركية من بينها واشنطن بوست و نيويوركر. وقد نالت عدة جوائز من بينها تسميتها في عام 2001 عضواً في مكتبة نيويورك العامة التابعة لمركز الجامعيين والمؤلفين. وهي مديرة لبرنامج في مركز التحقيقات في نيويورك وهو مركز للدراسة يضم مجموعة من الكتّاب العقلانيين .

سبق للمؤلفة وقدّمت ثمانية كتب من بينها: عائق الصداقة و العدالة الوحشية و تاريخ النزعة الدنيوية الأميركية ، الخ...

الكتاب: عصر الهذيان الأميركي

تأليف: سوزان جاكوبي

الناشر: بانتيون ـ نيويورك 2008

الصفحات: 384 صفحة

القطع: المتوسط

The age of american unreason

Susan Jacoby

Pantheon