في استثناء نادر من القاعدة التي درجت عليها مجلة «دير شبيغل» الألمانية من إجراء حواراتها الرئيسية مع شخصيات سياسية، بادرت المجلة العالمية الشهيرة إلى إجراء هذا الحوار مع الروائي الأميركي فيليب روث، وذلك بمناسب صدور كتابه التاسع والعشرين الذي يحمل العنوان الدال «السخط»، حيث ألقى الضوء على بؤرة الاهتمام الرئيسية في روايته الجديدة، التي أوضح أنها تتمثل في بصمة التاريخ على الفرد وفيما يلي نص الحوار:

مع إطلالة كتابك التاسع والعشرين، وهو رواية «السخط»، ما هو الجوهر الذي يشكل البؤرة الرئيسية لهذا العمل؟

لم أعتد تناول أعمالي بالتحليل أو التعقيب أو حتى بالإشارة، فتلك هي على وجه الحصر مهمة النقاد، فدعنا نكتف إذن هنا بالقول إنها رواية الافتقار للخبرة، رواية الحماقة، المقاومة الفكرية، الاكتشاف الجنسي، الشجاعة والخطأ أيضاً، وهي قصته تروي بمزيد من الحيوية والانفعال، وتبدأ بالرحيل عن العالم المألوف الذي ارتدت آفاقه في رواياتي الأخيرة، وصولاً إلى تحقيق مطول في بصمة التاريخ الأميركي على حياة الفرد المعرض للانتهاك، وذلك على خلفية من حرب كوريا، التي أعتقد أنها تشكل ساحة تستحق المزيد من الارتياد وإعادة الاكتشاف في أضواء وبالاستعانة بمفاهيم جديدة.

هل مازلت مهتماً بالحياة السياسية الأميركية؟ هل تتابع الحملة الانتخابية الرئاسية لهذا العام؟

لسوء الطالع نعم، وقد ظللت بعيداً عن هذا الاهتمام حتى وقت قريب، وفي ذلك الوقت لم تكن الحملة شيئاً واقعياً، ثم تابعت مناقشات الانتخابات الأولية في هامشاير، وبدا الجمهوريون مستحيلين على نحو يستعصي على التصديق، وشاهدت الديمقراطيين، وأصبحت مهتماً بأوباما، وأعتقد أنني سأقترع لانتخابه رئيساً.

ما الذي يجعلك تهتم بأوباما؟

إنني مهتم بحقيقة كونه أسود، وأحس بأن قضية العرق في أميركا أكثر من أهمية من قضية الأنوثة. وأعتقد أن أهمية السود ستكون هائلة. أوباما رجل وسيم وذكي وتصادف أن عقليته مركبة إلى حد بعيد. ووضعه في الحزب الديمقراطي يناسبني بشكل أو بآخر. وأعتقد أنه سيكون أمراً مهماً بالنسبة للسود أن يصبح رئيساً للولايات المتحدة.

هل تعتقد بالفعل أن أوباما بمقدوره تغيير واشنطن أو تغيير الحياة السياسية الأميركية؟

إنني مهتم بما يمكن لحضوره أن يفعله فقط، ومن هو، من أين جاء، وأي تغيير سيرتبط به. والأمر نفسه ينطبق على هيلاري كلينتون، فهويتها أحدثت فارقاً كبيراً. أما فيما يتعلق بكل ذلك الحديث عن التغيير، التغيير، التغيير، فإنه محض خطاب ولا يعني شيئاً.

ما الذي سيبقى من الرئيس الأميركي الحالي جورج بوش؟ هل سينسى بمجرد تركه منصبه؟

لقد كان أفظع من أن ينسى، وسيكون هناك الكثير مما سيكتب عنه، وسيكون هناك الكثير مما سيكتب عن الحرب. وهناك الكثير مما يتعين أن يكتب عما فعله بالريغانية، حيث إنه أوغل في المسير أكثر من ريغان. ولذا فهو لن يُنسى. وقد قال أحدهم إنه أسوأ رئيس عرفه الأميركيون. وأعتقد أن ذلك صحيح.

لماذا؟

حسناً، إن أبرز شيء هو الحرب، وتحديداً الخدع التي أحاطت بدخول الحرب، وتكلفة الحرب، الخزينة، وحياة الأميركيين. هذا كله شيء فظيع، ولا نظير له. والشيء الثاني هو الموقف من التسخن العالمي، الذي هو أزمة عالمية، وقد اتسم موقفهم منها باللامبالاة التامة، إن لم يكن بالعداء ضد أي محاولة لعلاج هذه الأزمة. وهكذا فإنه قد أحدث الكثير من الضرر.

ما الذي تقرأه هذه الأيام؟

المبدعون القدامى، فأنا أعيد قراءة جوزيف كونراد وإيفان تورجنيف وإرنست هيمنغواي ووليام فوكنر، وهو أمر يدخل السرور كثيراً على النفس. ونادراً ما أقرأ الأعمال الإبداعية المعاصرة، ولكنني أقرأ الأعمال غير الإبداعية.

ليست لديك إنترنت حتى وأنت موجود في نيويورك؟

ليست لدي إنترنت الآن. وهناك بعض مواقع الكتب المستخدمة العظيمة، وأنا أشتري أطناناً من الكتب عبرها، ولكني لا أقول لأحد شيئاً عن ذلك.

لقد قلت إن رواية «السخط» تدور حول بصمة التاريخ الأميركي على الفرد المعرض للانتهاك. فهل يعني هذا أنها لا تدور حول هذا العصر الذي نعيش فيه؟

إنها لا تدور حول العصر بالمعنى الذي يقفز إلى الذهن عند سماع هذه الكلمة، فهي تدور حول الطلاب في زمن الحرب الكورية، وعنوانها شديد الدلالة، وعندما انتهيت منها، وجدت أنه يتعين عليَّ أن أشرع في كتابة أخرى. وهي عملية لا نهاية لها. وهناك طريقة وحيدة للخلاص منها، كما تعلم.

ولكن بعض الأمور يتعين أن تكون مختلفة. ويمكنك أن تشعر بالضغط لكتابة عمل أخير يجلب إليك جائزة نوبل التي كنت جديراً بنيلها منذ زمن بعيد. أو أن بمقدورك أن تكسب المزيد والمزيد من الثقة.

لست أظن أن هذا صحيح لقد كنت واثقاً في بداية حياتي العملية، ولكن في كل مرة تستهل فيها مشروعاً ـ وأنا أتحدث عن نفسي هنا ـ فإنك تبدأ كهاوٍ، لأنك لست المحترف الذي ألّف 25 أو 27 كتاباً. إنك شخص لم يؤلف كتاباً من قبل قط، وإنما أنت توشك على تأليف كتاب.

ولذا فإنك هاو تماماً فيما يتعلق بذلك الكتاب، وأنت تحس بكل الافتقار للثقة الذي يداهم الهاوي، والمسودة الأولى، هذه الشهور الثمانية الأولى صعبة بصورة مؤلمة. ويمكن أن يكون الأمر صعباً في وقت لاحق أيضاً. ولكن البداية من المحتم أن تكون صعبة. أما جائزة نوبل فإنها لا تخطر لي على بال.

منى مدكور

المؤلف في سطور

ولد الروائي الأميركي فيليب روث في 19 مارس 1933 في نيو آرك بولاية نيوجيرسي وحصل على البكالوريوس في اللغة الإنجليزية من جامعة باكنيل في 1954 والماجستير في التخصص نفسه من جامعة شيكاغو في 1955. وقد بدأ مصافحته الأولى للشهرة في هذه الفترة عينها بإصدار عمله الأول الموسوم «وداعاً كولمبوس» .

توالت أعماله إلى أن بلغ عددها 29 كتاباً كان آخرها رواية السخط الصادرة مؤخراً، وعلى الرغم من أن النقاد قد صنفوا أعماله تحت عنوان الأدب اليهودي إلا أنه هو نفسه كان شديد الانزعاج من هذا التصنيف الذي وصفه بأنه خانق . وذهب بعض النقاد إلى القول إن روث كان يكتب قصته هو نفسه على امتداد أكثر من نصف قرن بتجليات مختلفة. وقد اشتهرت رواياته التي دارت حول شخصية زكرمان ومن أبرزها ثلاثة زكرمان التي تضم روايات الكاتب الخفي و زكرمان طليقاً و حياة مضادة .

حصل على جائزة بوليتزر عن روايته «رعوية أميركية» في عام 1998 وعلى جائزة الكتاب الوطني عن روايته «وداعاً كولمبوس» في عام 1960 وعلى جائزة حلقة نقاد الكتاب الوطني في 1987 عن روايته «حياة مضادة».