الآن وقد لوح الروائي الأميركي الكبير فيليب روث تلويحة الوداع لشخصية زاكرمان التي اصطحبها طويلاً في عدد من رواياته وصولاً إلى النهاية المحتمة، فإنه الآن في كتابه التاسع والعشرين، الذي يحمل عنوان «السخط» يطل بعمل مختلف تماماً بعيداً عن أجواء الشيخوخة القاتمة التي استلهمها في مراحله الأخيرة.
بعمق وجرأة تغوص رواية «السخط» في أجواء المرحلة الأولى من الحرب الباردة، وعلى وجه التحديد على خلفية من عالم الحرب الكورية، حيث يستكشف مناخ الطاقة الحيوية الذكورية المثقلة بالأساطير والصور المتوهجة عن الموت الوشيك سواء في ساحات المعارك الدامية في كوريا أو عبر القنابل الذرية التي ارتسمت أولى ملامحها المروعة في هيروشيما وناجازاكي، وبدا أن الاتحاد السوفييتي اكتشف بدوره أسرارها أو هو يوشك على ذلك. تلك، على الأقل، هي الطريقة التي تبدو بها الأمور لراوية «السخط» وهو ماركوس ميشنر الذي لا يتجاوز عمره تسعة عشر عاماً، وهو ابن جزار يهودي متخصص في إعداد الكوشير في نيوارك بولاية نيوجيرسي والذي يضيق ذرعاً بأبيه الذي يوشك أن يأخذ بخناقه، مما يدفعه للهرب من البيت طلباً للحرية، حيث يلتحق بالدراسة في واينسبرج في أوهايو.غير أن هذه المسافة لا تعني الخلاص بالنسبة لماركوس، فهو إذا كان قد أفلت من قبضة أبيه الخانقة باسم الحماية، فإنه قد وقع في قبضة خانقة مماثلة، بل لعلها أشد ضراوة، هي قبضة عميد الكلية التي يدرس بها في واينسبرج، وهي القبضة التي لا خلاص منها إلا بشد الرحال إلى كوريا، حيث تزداد الحرب احتداماً مع مشرق كل يوم.
يشاء القدر أن أول موعد عاطفي لماركوس في واينسبرج سيلقي به في أحضان أوليفيا هاتون، ابنة عميد الكلية العتيد، الذي يطبق الخناق على ماركوس.
وأوليفيا لا يمكن إلا أن تلفت شخصيتها نظرنا بقوة وعنفوان، منذ إطلالتها الأولى في الرواية، فهي تبدو لنا ـ أو بالأحرى لماركوس ـ تجسيداً للجمال »العادي« الذي يسعى إليه، ولكن هذه العادية تتحطم، تتشظى، وتصبح نثاراً عندما تصدمه ذات مساء، بعد تناولهما العشاء سوياً، بجرأتها الحسية المرعبة.
في البداية، يأتي رد فعل ماركوس حيال أوليفيا في صورة الانقباض والانكماش منها، ثم يمطرها بالرسائل العاطفية، وأخيراً يغرقان في قصة حب مشبوبة، تتخذ من العنفوان شعاراً لها.
على مهل يكتشف ماركوس أن اوليفيا هشة سيكولوجياً، وتحمل آثار محاولة انتحار، وهي الآثار التي تضع أم ماركوس يدها عليها عندما تلتقي أوليفيا للمرة الأولى والأخيرة.
وبين وعد ماركوس لأمه بالتخلي عن أوليفيا وبين حنينه المشبوب لها، يساوره الشعور بالتمزق، الذي يلقي به في وهدة أزمة خانقة، ويضيق ذرعاً بمشكلاته مع إدارة الكلية التي يدرس بها حول أمور هامشية سرعان ما تصبح أموراً جدية، بل خطيرة.
يصبح الحزن الرهيب الذي يسيطر على حياة ماركوس جلياً من خلال تحليل روث القوى لنفسيته، وصولاً إلى أدق التفاصيل، حيث نتابع انتصار الكآبة في مجتمع تحكم الحرب قبضتها على مشاعره وانفعالاته.
وقد كان من المحتم أن تلفت هذه الرواية، باعتبارها الكتاب التاسع والعشرين لفيليب روث، اهتمام كل الدوائر النقدية والأدبية على امتداد العالم، وأن ينعكس ذلك في متابعة مطبوعات لا حصر لها لتحليلات النقاد لها.
لكننا يعنينا هنا أن نتوقف عند ثلاث محطات، على وجه التحديد، في إطار هذه المتابعات النقدية التي تمتد بلا نهاية تقريباً.
المحطة الأولى هي مجلة «ببلشرز ويكلي» المتخصصة، التي تذهب في إطار عرض مطول لرواية «السخط» إلى القول إن هذه الرواية الرائعة من روايات روث تجعل القارئ على وعي طوال الوقت بأن شيئاً غامضاً وملتبساً يقبع في انتظار ماركوس، وهذا الوعي يتناهي إلينينا من خلال معلومات تسرب إلينا على امتداد الرواية ببراعة وذكاء شديدين.
وخاصة في نهاية الثلث الأول منها، عبر فقرات دالة مثل القول «وحتى إذ قضيت نحبي، وهو ما أنا عليه، وكنت كذلك لفترة لست أدري مدى طولها».. وهكذا فإن حزن حياة ماركوس يتجلى لنا من خلال إحكام قبضة روث على سيكولوجية هذا الفتى عبر أدق التفاصيل، بما في ذلك الملابس التي اشتراها ليرتديها في واينسبرج.
بالمقابل تركز مجلة «كيركوس» المتخصصة في عروض الكتب أيضاً على عنصر الحبكة في رواية روث، فتشير إلى أن الحبكة هنا تستحضر لمحات من حبكات روايات سابقة للروائي الكبير.
حيث التركيز هنا على نضج الفتى ماركوس على خلفية من أجواء حرب كوريا. وتتمتع هذه الرواية بسيمترية دقيقة ومتألقة، وعلى امتدادها نتابع وصول ماركوس إلى مرحلة الصدامات مع أبويه اللذين عاش معهما حتى العام الأول من حياته الجامعية.
وبالتالي نتابع على لسانه باعتباره الراوية، مشاعر التوق إلى التحرر التي تدفعه إلى الالتحاق بجامعة هي أبعد ما تكون عن أجواء نيوجيرسي، وهي الجامعة التي يجدها في واينسبرج بولاية أوهايو. وهو يكتشف أن انتماءه العرقي يترك بصمته على هويته في الحرم الجامعي الريفي الذي انتقل إليه.
وهنا على وجه الدقة تترامى إلينا أصداء الصدام الثقافي الذي تابعناه عند المؤلف من وقت جد مبكر في مسيرته الطويلة يعود إلى عام 1959، مع صدور روايته التي كفلت له أول مصافحة مع الشهرة، وهي «وداعاً كولومبوس». والرواية التي تشكل كتاب روث التاسع والعشرين تصل إلى ذروتها في جملتين محددتين، عندما يلتقي ماركوس لقاء حميماً هو الأول بالنسبة له مع أوليفيا التي تفوقه خبرة، والتي يرتبط اندفاعها البدني بقوة مع هشاشتها النفسية.
ويثور على الفور تساؤل القارئ: هل يمكن أن يكون ماركوس الصديق الحميم لأوليفيا ويظل في الوقت نفسه ابن أبويه؟ هل يمكن أن يظل صادقاً مع نفسه أياً كانت هذه النفس في الوقت الذي يلتزم بما تفرضه أعراف جامعته ونواهيها والتي تحميه من التجنيد في حرب قاتلة؟ هل واينسبرج ملاذ أم منفى؟ إن انعطافه في المنظور السردي لهذه الرواية تشدد على تجاوزها للزمان بصورة لا يمكن إلا أن تلفت انتباه القارئ بشدة.
في المحطة الثالثة والأخيرة، نحن مع القراءة النقدية التي تقدمها مجلة «جي.كيو» لرواية روت، والتي تصدرها بالعنوان الدال العجوز الغاضب حيث تشير إلى أن الحرب الكورية تقوم في الرواية بدور يتجاوز بكثير الخلفية العامة للعمل، وأن عنوان الرواية مستمد من النشيد الوطني الصيني، وهو النشيد الذي يستحضر ماركوس موسيقاه في ذهنه كلما أراد تشتيت انتباهه بعيداً عن تقريع عميد الكلية المستمر له بمناسبة ومن دونها، ويذهلنا أنه عندما تفشل هذه »الاستراتيجية« التي يلجأ إليها ماركوس في تحقيق المراد منها فإنه يتقيأ على الجوائز والميداليات الرياضية التي يعتز بها العميد أشد الاعتزاز ويعاملها باعتبارها كنزه الغالي الذي يزيّن مكتبه.
وتشير المجلة إلى أنه على الرغم من عنوان الرواية ودلالته التي يشدد عليها المؤلف فإن الرواية مفعمة بما تسميه «الحيرة الجميلة»، وان الغضب يتم حسمه في نهاية رواية روث خلافاً لروايته السابقة مباشرة على «السخط»، حيث يبدو للقارئ واضحاً إلى أي حد يحب روث شخصيات هذه الرواية وكذلك الفرصة المتاحة له للمشاركة في ما يعرض لها وما تواجهه.
وهي تخلص أخيراً إلى أن «السخط» كتاب رائع، ويرجع ذلك على وجه الدقة إلى أن روث لم يكن يحاول أن يؤلف كتاباً عظيماً.
ودعنا نلتقط هذه الملاحظة، لنضمها إلى قول روث إن هذه الرواية تعد واحدة من ثلاث روايات، لم يبذل جهداً كبيراً في تأليفها، لأنها واتته طيعة وسهلة، كأنها هدية من السماء، على حد تعبيره.
على الرغم من ذلك، فإن هناك ملاحظة مهمة لا يمكن إلا أن يتوقف عندها القارئ طويلاً، وهي قدرة روث المدهشة على أن يقدم في روايته هذه أجواء شبابية، تتوهج بالحيوية، على الرغم من خلفية الحرب الكورية التي تلقي بظلالها عليها، مؤكداً قدرته على الابتعاد عن رمادية أجواء الشيخوخة والكهولة التي سيطرت على مجمل الروايات التي قدمها خلال السنوات القليلة الماضية.
الكتاب: السخط
تأليف: فيليب روث
الناشر: هوتون مفلين نيويورك 2008
الصفحات: 256 صفحة
القطع: المتوسط
Indignation
Philip Roth
Houghton Mifflin, N.Y.
2008
652.P

