يكشف المخرج التسجيلي دويدار الطاهر دويدار رئيس الإنتاج المتميز- قنوات النيل المتخصصة في كتابه «فنون المنوعات والتلفزيون» أن رسائل الفنون التلفزيونية والإذاعية الآن، وإن ارتدت ثوب الترفيه الإعلامي شكلا، فإنها في الحقيقة، إنما تستهدف زيادة الموارد المالية لتلك المحطات ـ دون استثناء ـ فالمهم بالنسبة لتلك البرامج والقائمين عليها هو الربح المالي الآن، أما الغد والإنسان وما يواجهه من تحديات ذاتية ومجتمعية وعالمية، فتلك أشياء يبدو أن الزمن قد عفا عليها مع قدوم العولمة.
كما عفت التغيرات الليبرالية الحديثة على دور الدولة الثقافي والاجتماعي وتنمية الإنسان وقصر دورها على صنع الثروة وتنظيم العلاقة بين أصحاب رؤوس الأموال، أما المستهلك فعليه أن ينتظر طويلا حتى تتشكل منظمات المجتمع المدني لتتولى الدفاع عنه اقتصاديا وثقافيا وفنيا وتحافظ على ذوقه الجمالي. والاهم ان هذا الكتاب يشكل معجما ودليلا متخصصا وكاشفا لفنون المنوعات على اتساعها وتنوع أشكالها، جامعا لأسرارها وخصائصها وكيفية الوصول إلى أهدافها الحقيقية التي تزيد الإنسان ثراء ثقافيا. ويعرف الكاتب المنوعات بأنها «فن يجمع بين فنون الشكل وفنون الكلمة، وهي فن له أشكاله وقوالبه ويستهدف التسلية الراقية والإثارة والإمتاع الحسي والوجداني والعقلي ومن ثم تصبح أحد أدوات التشكيل الاجتماعي والثقافي والفني السليم».
ويؤكد على أن تقديم تلك البرامج يتطلب نوعا من المقدمين يطلق عليهم ـ قيادة الاحتفالية ـ ممن يملكون الحضور وخفة الظل ويفضل من تتوفر لديه موهبة فنية في التمثيل أو الكوميديا أو الغناء أو الرقص أو الموسيقي بجانب الثقافة الفنية وباقي شروط مقدم التلفزيون الأخرى، فمقدم برامج المنوعات ليس مذيعا بقدر ما هو جزء من البرنامج.أو جزء من النسيج الفني للبرنامج بشكل عام، سواء عن طريق أسلوب المقدم أو أزيائه أو حركته أو أدائه التعبيري، فالتقديم في حد ذاته فقرة استعراضية.
إضافة إلى ضرورة التعامل مع الديكور والأزياء والألوان والإضاءة والتصوير والمونتاج والمؤثرات البصرية كعوامل متعة، لذا من المفضل أن يكون هناك مخرج فني لبرنامج المنوعات يساعد المخرج الأساسي فيما يختص بالجانب المتعلق بتناسق الألوان بين الخلفيات والديكور وملابس المؤدين ومضمون الفقرة لكي لا يظهر بأنه كالسيرك.
و يرى دويدار الطاهر أن أغلب ما يتم رصده على الشاشات العربية من برامج ترفيهية لا تمت إلى الترفيه الإعلامي بصلة، فهي برامج تهدف إلى إضاعة وقت المشاهد، أو يتم استخدام تلك البرامج على أحسن حال إلى تحقيق أهداف سياسية في المقام الأول، فهي إما برامج تعبوية سياسية أو برامج دعائية أو برامج تفريغية لشحنات الغضب من الحالة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية أو برامج ترفيهية يغلب عليها البعد الربحي والتجاري.
ويؤكد دويدار الطاهر أنه إذا كان الترفيه وبرامجه التلفزيونية والإذاعية هو محل اهتمام المتلقي العربي الآن فإن الحقيقة العلمية تدل على أن التسرية هي أهم أهداف عملية الاتصال الجماهيري بجانب الإعلام والتثقيف وغيره كالتنوير والتنشئة الاجتماعية والأخبار والتسويق، فالترفيه الاتصالي هو أحد القواعد الإعلامية والتي تتخذ التذوق وإذكاء الخيال عند المشاهد وسيلة لإيصال رسائلها.
ويؤكد دويدار الطاهر أنه في عصر العولمة وسيادة آليات السوق والتي انتهت بها الديمقراطية القديمة، والاشتراكية كادت ليبدأ عصر الليبرالية الحديثة ومن تجلياته بالضرورة تراجع أدوار الدولة في مجالات الصحة والتعليم والتوظيف وتراجع المسؤولية الاجتماعية لوسائل الإعلام والاتصال الجماهيري، فلن يبقى في الحقيقة غير الفنان وضميره سواء أكان معدا أو مقدما.
أو مخرجا أو قائما على إدارة محطة راديو أو قناة تلفزيونية أو قيادة شركة إنتاج فني أو غيرهم ممن يمتلكون ملكا لم يعطه الله لحاكم عربي، فهم يمتلكون قلوب ومشاعر مئات الملايين من البسطاء والفقراء والأطفال وباقي أبناء الأسر المطحونة بالواقع، وغيرهم ممن يعتبرون المذياع والشاشات جنات حاضرهم هربا وتسلية وتعلما، وحقيقة فإنه لا ملجأ لهم من جحيم المعاناة إلا إنتاجكم الفني والذي وإن لم يخفف عنهم وينسيهم فهو أيضاً يرسم لهم ودون أن يشعروا معالم مستقبلهم وطرق تفكيرهم.
محمد الحمامصي
الكتاب: فنون المنوعات والتلفزيون
تأليف: دويدار الطاهر دويدار
الناشر: دار ا السنابل ـ القاهرة 2008
الصفحات: 186 صفحة
القطع: المتوسط

