يبيّن د. علي القيم في كتابه الجديد «الأبجدية الموسيقية» دور الموسيقا في حضارتنا القديمة، وإنها تمتد إلى تاريخ طويل يمتد إلى أكثر من خمسة آلاف سنة، وانها كانت الأصل الذي تطوّرت منه موسيقا شعوب العالم، وأصبحت تشكل تراث الإنسانية الخالد.

ويبين أن الغناء كان أسبق في الظهور على الموسيقا الآلية بمئات السنين، وأن معرفة الإنسان للموسيقا، كانت من الإيقاع، فإنه أصل النغم، سمعه الإنسان فأدركه وحاول تقليده، ثم شارك بين صوته وبين صوت الآلة، فكان من ذلك كله انسجام جديد ما زال يتطور ويتقدم حتى تكوّنت الموسيقا، وجاءت العبادة وطقوس الأديان لتتخذ من الموسيقا والألحان وسيلة متمّمة لرسالة المعابد والهياكل، وأداة للتعبد الجماعي وبعث النشوة الروحية في المتعبدين، وقامت الموسيقا بدورها الكبير في تحريك الوجدان وتغذية المشاعر لإنسان عاش طويلاً في عصور القوة الغاشمة وصراع الطبقات. تبين الآثار المكتشفة في بلاد النهرين وبلاد الشام أن ميلاد الموسيقا عاصر ميلاد الدين، فهي قديمة قدمه، شاركته في أداء طقوسه التي يمثل الغناء ركناً أساسياً منها، من هذه الوثائق ما يعود تاريخه إلى 2500 سنة قبل الميلاد، وتخبرنا عن اختيار موسيقي يقود فرقة للإنشاد بمعبد «ننجرسو» الكبير بمدينة «لاغاش»، وآخر يتولى تدريب فرقة الغناء والعزف من الرجال والنساء.

في عام 1948 اكتشفت البعثة الأثرية الفرنسية العاملة في موقع «أوغاريت» مجموعة هامة من الرقم الطينية، وكان فيها رقيم مكوّن من ثلاثة أجزاء مهشمة، مكتوبة بحروف مسمارية ومدوّن عليها بعض الرموز.

في الستينات من القرن الماضي، اكتشفت لوحة مسمارية في مدينة «أور» تذكر (أسماء آلة الكنارة) وتوّزع الأوتار فيها. وفي عام 1970 اكتشف أحد العلماء المهتمين بالتدوين الموسيقي، أنّ هذه الأسماء الموجودة على اللوحة الأكادية، هي نفس الأسماء الموجودة على اللوحة الأوغاريتية، وبذلك أصبح لدينا الأبعاد الموسيقية: الأسماء والأرقام... فاللوحة كتبت بطريقة التدوين الموسيقي.

إن الدف المستدير كان معروفاً في حضارة المنطقة، منذ الألف الثالث قبل الميلاد، وأقدم الآثار عنه جاءت من بلاد الرافدين، ويمثل المشهد المرسوم على جرّة فخارية ملوّنة باللون القرمزي، ثلاث نساء عاريات ينقرن على الدف.

واستخدم السومريون «الناي»، وهناك نقش على أحد أختام الملك «جوديا»، وثمة نقش على خاتم سومري بمتحف اللوفر يصور راعياً وهو يعزف على الناي الراسي الطويل، وقد التفت حوله كلابه. وعثر في »أور« على أجزاء من «ناي» أصلي مصنوع من الفضة، ويمكن تتبّع آثار «البوق» في كثير من مواقع حضارات الشرق القديم منذ عصر فجر السلالات الثاني (2600 ـ 2500) قبل الميلاد، في مدينة «ماري»، وأوغاريت وكركميش، تذكر الوثائق المعمارية، أنه من بين الهدايا التي قدّمها الملك الأشوري «توشرانا» إلى الفرعون «أمنحوتب الرابع» ملك مصر، حوالي عام 1400 قبل الميلاد أربعين بوقاً موشاة بالذهب، وبعضها موشّى بالأحجار الكريمة. في العصرين البابلي والآشوري، نجد الآثار الدالة على الطبول أكثر تنوعاً، فهي كبيرة توضع على الأرض وصغيرة تمسك باليد وتعلّق بحزام يلتف حول وسط العازف، وكان لها قدسية خاصة، ولمّا كان القمر معبوداً لهم فقد كانت الطبول تدق لإثارة الحزن والنواح على القمر المختفي أيام المحاق أو الكسوف الكلي. أسفرت التنقيبات الأثرية عن تمثال مزدوج، يمثل موسيقياً وتلميذه، يعزف كل منهما على آلة «الجنك» التي لها شكل قوس، و«الكنارة» سومرية الأصل، عثر عليها في المقبرة الملكية بمدينة «أور»، ومن أشهرها الذهبية والفضية والجبسية، وجاءتنا جرّة فينيقية يمثل رأسها أحد العازفين على الكنارة، وقطعة عاجية من مدينة «مجيدو» مزخرفة بمشهد انتصار ملكي يشترك فيه مجموعة من العازفين على الآلات الموسيقية، ومنها «الكنارة» ونشاهد فرقة موسيقية تضم سبعة عازفين على القيثارة، ومجموعة من العازفين، وعازف طبلة صغيرة وبعض الأفراد المصفقين لهم، وثمة تصوير لشخص يقال إنه كان منطلقاً في ترديد أصوات دون كلمات تدعمها ضربات رقيقة من يده اليمنى فوق فمه، وهناك مشاهد أخرى جاءتنا من مواقع سورية تؤكد وجود الفرق الموسيقية الثنائية والثلاثية والرباعية، تقوم بعزف مقطوعاتها الموسيقية ضمن إطار احتفالي مميز، وإيقاع موسيقي أخاذ، كما كشفت هذه المنحوتات عن مشاهد لممثلين وممثلات في وضعية الغناء.

ولم يقتصر النشاط الموسيقي على ذلك فقط، فقد اهتموا بإنشاء الأماكن والمسارح التي تقام عليها الحفلات والأمسيات الموسيقية، كما كان للمعابد دورها الكبير في ذلك. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أهمية الموسيقا في بلاد الرافدين وسورية.

فيصل خرتش

المؤلف في سطور

ولد د. علي القيم في اللاذقية 1950، وهو يحمل إجازة عامة بالآداب، ودبلوم تربية عامة، كما عمل مديراً لمتحف الطب والعلوم بدمشق. ثم معاوناً لوزير الثقافة وحالياً يعمل رئيساً لتحرير مجلة المعرفة.

مؤلفاته: بيمارستان نور الدين واضاءات من الذاكرة القديمة والمرأة في حضارات بلاد الشام القديمة وابن النفيس الدمشقي والموسيقى تاريخ وآثار وإمبراطورية ايبلا ومجالس الكتب والموسيقا تاريخ وآثار وهمس الحروف وآثار وأسرار.

الكتاب : الأبجدية الموسيقية

تأليف: د. علي القيم

الناشر: دار إنانا ـ دمشق 2008

الصفحات : 208 صفحات

القطع: المتوسط