يتناول الدكتور عبد ربه الوائلي في كتابه «الإمارة البابانية» الذي يشتمل على تمهيد وخمسة فصول واحدة من تلك القوى المحلية العراقية، وهي الأسرة البابانية الكردية التي تمكنت من حكم المنطقة الشمالية من العراق ما بين أواخر القرن الثامن عشر ومنتصف القرن التاسع عشر، والتي أسهمت في توتر العلاقات العراقية ـ الفارسية طوال فترة حكمها، وذلك بسبب كون الإمارة كانت واقعة في منطقة حدود بين الدولتين العثمانية والفارسية، وازدياد تسلط الانكشارية في بغداد، والقبائل البدوية في الريف. وتعرض العراق أكثر من مرة في القرن الثامن عشر إلى هجمات حكام بلاد فارس.

يتناول الكتاب تنظيمات عشائر منطقة السليمانية، ويوضح طبيعة العشيرة الكردية وطبقاتها وانحدارها وكيفية تكوينها واشتقاق اسمها، كما انه يبين مميزات النظام العشائري الكردي في الحروب والرئاسة والالتزامات العشائرية، ودور الأمراء البابانيين وغيرهم من الأمراء في استقطاب تلك العشائر، للوقوف إلى جانبهم. وكان أول عاصمة للبابان هي داريشمانة في القرن السادس عشر، وهي قرية تابعة لقضاء بشدر، وكانت عامرة بالسكان والبيوت وفيها مساحة من الأراضي الصالحة للزراعة، وتقع بين قلعة دزة والحدود الفارسية، وانتقلت العاصمة في عهد السلطان سليمان القانوني 1520-1577 إلى ميركة وذلك في عام 1525 وميركة إحدى قرى قضاء بشدر وتابعة لناحية بنكرد، ويرجع سبب انتقال العاصمة إلى ميركة هو انه عقب معركة جالديران عام 1514بين الصفويين والعثمانيين وأصبحت الحدود منطقة الحدود العثمانية الفارسية يسودها التوتر الدائم، ولذلك قرر أمراء البابان نقل عاصمتهم إلى منطقة أخرى أكثر أمانا من هجمات الفرس المتوقعة على الأراضي العراقية. كما يتناول الكتاب كذلك العلاقات العراقية الفارسية وأثرها على السليمانية. ويحدد المؤلف عددا من العوامل التي ساهمت في إعادة الهدوء بين دولتين العراق وإيران:

أولا: قوة الوالي سليمان باشا الكبير واتزانه وحسن ضبطه لشؤون العراق، وهو أمر مهم في حسم العلاقات بين الدولتين. ثانيا: ضعف إيران واضطراب أحوالها وشؤون الحكم فيها. ثالثا: وفي أثناء الحصار الفارسي للبصرة عامي 1775 و1779 أظهر سليمان باشا الكبير مقدرة عالية في الدفاع والتحصن أذهلت المحاصرين. عندما استسلمت المدينة للفرس أخذ الوالي أسيرا إلى شيراز، وسجنه كريم خان زند، مدة، ثم أطلق سراحه وأبقاه في مدينة شيراز تحت المراقبة، فاتفق مع عدد كبير من الإيرانيين، لما كان يتمتع به من سعة أفق وغزارة المعلومات، وأقام صدقات مع زكي خان ابن عم كريم خان الزند وجماعات أخرى، فكان لتلك الصداقة والعلاقات أثرها في تحسين العلاقات بين الدولتين العراقية والفارسية. أما العامل الرابع حيث كان للعلماء ورجال الدين دور مهم في إقرار الهدوء بين العراق وإيران..!

ويتطرق عبد ربه الوائلي إلى ظهور عبدالرحمن باشا بابان كشخصية قوية على مسرح الأحداث وتأثيره على التطورات السياسية والعسكرية في كردستان، حيث أوصل الإمارة البابانية إلى أوج قوتها وتوسعها، ويقول الوائلي: بعد مقتل سليمان باشا الصغير عام 1810.

نشأت قضية جديدة وهي من سيخلف الوالي القتيل؟ وكان حالت أفندي، الذي عهدت إليه المهمة، يحمل الفرمان الخالي من الاسم. ولهذا فقد واجه أمرين:1ـ إما أن يسند المنصب إلى أقوى شخصية في العراق وقتذاك من غير المماليك، مثل عبدالرحمن باشا 2 ـ وإما أن يسنده إلى شخصية محبوبة من البغداديين مثل سعيد بك الذي كان يتمتع بمكانة محترمة في بغداد.

كما أن والده كان من أقوى شخصيات المماليك. ويبين الوائلي كيف حكم عبدالرحمن باشا الإمارة فترة طويلة، وكيف تمكن خلال حكمه من تحسين علاقته وتوطيدها مع الحكومة الفارسية، التي كانت السند الدائم لأمراء البابان. ويمكن القول انه ونتيجة لدعم الفرس لعبدالرحمن باشا فقد دخل هذا في عدة معارك وقام بثورات ضد سلطة ولاة بغداد. وكانت هذه المعارك والثورات تستهدف استقلال كردستان، إلا أن خيانة أمراء الأسرة البابانية له عاقت تحقيق هدفه.

وحسب المؤلف ان سبب اختيار محمود باشا السلطة يعود إلى ان الأمراء والأعيان والمشايخ في كردستان والذين كانوا يتمتعون بمكانة محترمة لدى الحكام والناس أرادوا تفادي لما قد يحصل من مشاكل بين الأمراء البابانيين حول تولي هذا المنصب، ويقول الوائلي: يبدو أن الابن كان على شاكلة أبيه، فقد انتهج هذا الأمير نهج والده عبدالرحمن باشا في ميله إلى الفرس مدة طويلة .

ويستعرض المؤلف أسباب تدهور أحوال بغداد في عهد الوالي سعيد باشا وأثرها في خروج داود باشا إلى كردستان. وقيام محمود باشا باستقباله، ومن ثم اتفاقهما على تسوية المشاكل التي كانت تثير الصدام المسلح بين ولا بغداد والبابانيين لكي يعم الهدوء في كردستان، وسرعان ما ينتقل الكاتب ليحدثنا عن علامات دهور الإمارة ومحاولة بعض الأمراء المتأخرين استعادة ما كان عليها من قوة وسيطرة.

ويوضح الوائلي كيف تقاربت وجهات النظر العثمانية والفارسية حول الاتفاق على إنهاء الأحداث القائمة على حدودها، والتي كانت تسببها الإمارات والعشائر الكردية وخاصة الإمارة البابانية. في حين كان القنصل البريطاني راولنسون ميالاً لأن تكون كردستان بعيدة عن سيطرة العثمانيين والفرس.

فاروق حجي مصطفى

الكتاب: تاريخ الإمارة البابانية (1784-1851)

تأليف: عبد ربه إبراهيم الوائلي

الناشر: دار الزمان ـ دمشق 2008

الصفحات : 292 صفحة

القطع: الكبير