الانكسار والملامح المبهمة وإيماءات الحزن القاسم المشترك لمعظم لوحات الفنان الألماني سوري الأصل بهرام حاجو الذي درس الفنون الجميلة في إحدى أهم الجامعات الألمانية وأمضى ردحاً طويلاً من حياته في ألمانيا، لكن يبقى الحنين إلى البلد الأصلي، وبالتحديد إلى ربوع القامشلي والجزيرة في سوريا حيث مسقط رأسه، يطل من جميع لوحاته. أما الوجوه المبهمة التي لا تحمل أي ملامح فهي وجوه السكان الأصليين لبلد المهجر.

على ذلك، فإن معظم شخوص حاجو في اللوحات مبهمة وتعلوها قتامة ذات طابع خاص. وهي دائماً تعيش وكأنها في الظلال، أي أن ملامحها غير ظاهرة كثيراً، وتكاد تختبئ من شيء مجهول، وهي شخوص تفتقد للحيوية وبعيدة عن الواقع وغير حقيقية. يقول بهرام حاجو: «بهرام اسم كردي فارسي يعني الاسم الموهبة أو الموهوب، أما اسم حاجو فهو مشتق من الحج وهو اسم عربي محرف قليلاً بالكردية، بدأت حياتي الفنية عندما كنت طفلاً صغيراً في المرحلة الإعدادية، وحتى بالمرحلة الابتدائية كانت أولى الأولويات بالنسبة لي ليست الدراسة بقدر ما كان الرسم، وكنت أرسم كل شيء على الدفاتر الدراسية. وفي المرحلتين الإعدادية والثانية أثرت انتباه المدرسين، مضيفاً: قالوا لي بهرام، ينبغي عليك رسم لوحات مادة التشريح، سواء كان ذلك النبات أو الحيوان. وقمت برسم صورة التشريح وتكبيرها، وقيل لي إن تلك اللوحات بقيت أكثر من عشرين سنة معلقة في المدرسة كوسائل إيضاح مهمة في ثانوية العروبة في القامشلي.

أول معرض

يؤكد حاجو أن إطلالته الأولى على سوريا تمت بعد عشرين عاماً من الغياب، حيث أقام معرضاً في دمشق بمبادرة من رزق الله توما الذي زاره عام 1994 وحظي باستقبال حافل وقامت نجاح العطار وزيرة الثقافة في ذلك الحين بافتتاح المعرض. وجسدت اللوحات معاني جوهر الإنسان، لأن الإنسان في لوحاته لم يكن منعزلاً عن أرضية اللوحة.

كما لم تكن المناظر الطبيعية تأسره في تلك المرحلة، بل ما كان يهمه هو الإنسان، وبالنسبة لعلاقته بالألوان فهي حسب قوله قاتمة ولعلها متصلة من حيث الجوهر بشخصيته. ثم تتالت الحفاوة له في دمشق، حيث قام بعرض أعماله ولوحاته عام 2004 بدعوة من منى الأتاسي، وبعدها من جالاريا آرت هاوس في العاصمة السورية.

البداية

يحلو للفنان بهرام حاجو العودة إلى البدايات، حيث كان ملتزماً بالمدرسة التعبيرية ذات التوجه الألماني، وكان معجباً بالمدرسة التعبيرية ذات التوجه الألماني، وكان معجباً بالفنانين الألمان الذين تم اضطهادهم في مرحلة الحكم النازي، لأنهم يرسمون الإنسان بشكل مشوه. ولكن هؤلاء الفنانين كانت أعمالهم تعبيرية خارجة من أعماق الوجدان الإنساني ولم يكونوا موالين للنظام الهتلري.

يذكر أن الفن في العهد الهتلري كان واقعياً وبعيداً كل البعد عن الفن التعبيري أو الانطباعي، وفي ذلك العهد هرّب هؤلاء الفنانين لوحاتهم وأعمالهم إلى الخارج مثل سويسرا وأميركا وبلدان غربية أخرى، ومن هؤلاء من تم اعتقاله وقتله في ذلك الوقت.

يتابع حاجو حديثه عن البدايات، حيث يروي أنه درس في أكاديمية دسلدورف للفنون الجميلة، ولكن في كل مراحل حياته التي عاشها في ألمانيا كان يعاني من الاشتياق إلى الوطن والأصدقاء ويعترف بتأثير هذه الحالات على وضعه النفسي وتأثيرها على لوحاته وأعماله في الرسم، مضيفاً: أنه لم يكن يعاني من حالة حزن أو من أي حالة مرضية، بل كان حنينه إلى الوطن «حارقاً في الداخل».

رهافة الإحسان

يتابع حاجو أن الإنسان لا يستطيع أن ينسلخ عن جلده، فطبيعة بلادي لا تزال عالقة في مخيلتي، ولذلك أقول إن الإنسان في الغربة ينظر بعينين، عين على بلده الأصلي، والعين الأخرى على بلد المهجر. كما أن ما أراه لا يعني لي أنه حقيقي من حيث المظهر أو النظرة الأولى، بل رؤيتي للأشياء تقفز فوقها إلى ما هو أبعد منها بكثير، ويأتي ذلك من التأثيرات الداخلية أيضاً.

ويضيف: إذا كان الفنانون الألمان المشهورون ينتمون الآن إلى الفن الانطباعي، فإن النقاد يقولون عن لوحاتي في ألمانيا إنها تمثل صورة ذاتية، ولذلك لا يمكن أن ترى فنانين آخرين يقدمون أعمالاً مشابهة لرسوماتي أو لشخوصي التي أرسمها. ويستحيل أن تجد مثيلاً لها لا في أميركا ولا في أوروبا ولا في أي مكان آخر تحت قبة السماء.. لوحتي هي بصمتي الخاصة بي، مثل بصمة العين أو الإبهام، لذلك أقول ليس هنا من يرسم مثلي.

وعن طبيعة عمله وآلية الرسم التي يعتمد يقول حجو: الحقيقة أنني أشتغل لوحات عدة في وقت واحد. وتخرج اللوحات المختلفة ولها نفس الرؤية والإحساس الواحد، مضيفاً: هناك أيضاً مسألة أخرى أريدك أن تعرفها، فالحقيقة ليست جميع اللوحات أرضى عنها، على الرغم من أنها من أعمالي، فعلى سبيل المثال عندما أنظر إلى لوحاتي السابقة لا أشعر بالرضا عنها، وأعتبر تلك اللوحات تنتمي إلى مرحلة بداية تكون النضوج أو خالية من النضوج.

تأثير الهجرة على النضوج

وعن الهجرة، يقول حاجو إنها أثرت على مستقبله الفني، ويعتقد أنه لو لم يحضر إلى ألمانيا ما كان ذلك الفنان المشهور والمعروف عالمياً، ولم يكن ينتمي إلى الصف الأول من الفنانين الألمان. وفي ألمانيا تأثرت بفنانين كبار، وشعرت بأهميتي على أن أكون مثلهم في يوم من الأيام. ويضيف: في ألمانيا أيضاً كنت حراً وطليقاً ولا أتعرض لضغوط الأهل الذين كانوا سيجبرونني على دراسة الهندسة أو الطب.

حتى الآن في ألمانيا

ويتابع: إنني أقيم في ألمانيا حتى الآن، لأنني كنت دوماً أشعر بالحنين نحو الوطن ولا أشعر بالانتماء الكامل لألمانيا. وعلى سبيل المثال، فبعد 27 سنة من الزواج من ألمانية، وهي «تركتني»، والآن أنا متزوج من سورية، وبالتحديد من القامشلي، ولي ولدان، وسأشتري بيتاً في القامشلي، وأعتزم شراء بيت في دمشق أيضاً، ولديّ في دمشق أصدقاء كثر، وتعرّفت إلى الكثير من الفنانين مثل عبدالله مراد وآخرين.

الحالة المزاجية

لا شك الحالة المزاجية، كما في الموسيقا، تلعب دوراً مهماً في تشكيل اللحن كما في اللوحة أيضاً فإذا كان الفنان في كلتا الحالتين في حال نفسية سيئة فإن ذلك ينعكس على عمله وأدائه، وعلى العكس إذا كان فرحاً ومبتهجاً فإن اللحن أو الصورة تخرج من بين يديه معبرة عن حالته النفسية.

الإبهام.. اللوحات المنكسرة

يؤكد حاجو انه خلال هجرته لألمانيا كان الألمان بالنسبة له أناساً مجهولين. وكأنه لم يكن لهم وجود في تخيلاته. ويتابع لذلك بادلتهم المشاعر ذاتها على الرغم من أن الفترة التي عشتها في ألمانيا كانت أهم فترات حياتي وأجملها. ولا أنكر هذا الشيء. بدأت من الصفر حتى أصبحت مواطناً ألمانياً لي قيمة عالية في ألمانيا. ولكن على الرغم من ذلك فإنني أفتقد إلى الحميمية في تعاملي مع الألمان.

ولذلك فإن شخوصي تترجم حالة نفسية واعتقد بأنني أعيش في مجتمع مبهم. فإذا لم يكن هناك اختلاط كامل فإن الحياة الاجتماعية ستكون خالية من البهجة. هنا في ألمانيا الاندماج الكامل مستحيل، وعلى عكس بلدي سوريا، هناك الأهل والأصدقاء، وحتى البيئة كلها تتفاعل معها وتتفاعل معك.

محمد نبيل سبرطلي