احتضنت خشبة مسرح مهرجان «غليندبورن» في إنجلترا أوبرا «عن الحب وشياطين أخرى»، المقتبسة عن الرواية التي كتبها الكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز عام1994 وتحمل العنوان نفسه. ولقد جاء هذا العمل الأوبرالي ثمرة تعاون بين الموسيقار المجري بيتر إيتوفوس ومخرج موسيقي روسي ومصمم مسرحي.
بهذا تكون قصة العلاقة الغرامية سييرفا ماريا دي تودوس لوس سانتوس، وهي طفلة عمرها 12 عاما عضها كلب ويعتقد الناس أن مسا من الشيطان قد أصابها، وتلميذ الأسقف المحلي قد وصلت أخيرا إلى الأوبرا. ومن المعروف أن المسرح الريفي والأرستقراطي في» غليندبورن»، وهو عبارة عن منزل سابق يقع في منطقة ايست سوسيكس القريبة من مدينة بريختون البريطانية، متخصص في الأوبرا الباروكية عموما وأوبرا موتسارت وهاندل على وجه الخصوص، وكذلك في أعمال البريطاني بنيامين بريتن وفي عرض أعمال أوبرالية جديدة وثورية لموسيقيين معاصرين. أما «عن الحب وشياطين أخرى»، فإنها تندرج ضمن الفئة الأخيرة هذه. ويعتبر هذا العمل الأوبرالي نجم هذا الموسم الذي عرضت فيه أعمال مثل «هانسل وغريتل» لإنبيلبيرت همبردنك، و«كارمن» لبيزيه، و«تتويج بوبيا» لمونتيفيردي، وييفيغيني أونيجين لتشيكوفسكي.
الملحن المجري بيتر إيتوفوس البالغ من العمر 64 عاما لم يتمكن طوال حياته من قراءة أعمال غارسيا ماركيز باللغة القشتالية، لكنه يعتقد أن ذلك لا يشكل عقبة أمام تلك المعايشة القائمة بين النص المغنى والموسيقى التي تعتبر جوهر الأعمال الأوبرالية العظيمة. وهو يعقب على هذا الأمر بالقول: كان ذلك من دواعي سروري، لكني نشأت في أوقات الشيوعية واللغة الأجنبية التي كانت تعلم في المدارس كانت اللغة الروسية. على كل حال، ثمة معرفة لا بأس بها بالكاتب الكولومبي في المجر، وذلك بفضل الترجمات الرائعة لرواياته ولشعور سائد هناك بوجود وحدة حال مع العالم الساحر الذي يصفه.
بالنسبة لإيتوفوس ، فإن الأمر يتعلق بخامس أوبرا ألفها وذلك بعد أن عرض على خشبة المسرح «الشقيقات الثلاث لتشيخوف» و«وشرفة جينيه» و» ملائكة في أميركا كشنر» و» ليدي ساراشيما» المستوحاة من يوميات سيدة من البلاط الياباني في العصور الوسطى، التي عرضت في مارس الماضي في ليون. «يعتقد الفنان عادة أن آخر ما فعله هو الأفضل وأن ذلك ذروة مسيرته المهنية حتى تاريخه وأنه المشروع الأكثر طموحا وبلاغة والخالي من أخطاء الماضي. إني متأمل كثيرا بهذه الأوبرا وأثق في نجاحها. أعتقد أن الموسيقى درامية جدا ومفعمة بشحنة عاطفية كبيرة كما يتطلب كتاب غارسيا ماركيز» . تعاون إيتوفوس بشكل وثيق مع موسيقيين طليعيين على غرار بيير بوليز وكارهينز ستوكهاوسن، رغم أنه يرفض تصنيفه في إطار مدرسة أو فئة محددة. ويقول: أنا أجبر نفسي على الانفصال عن المقطوعة الموسيقية الأوبرالية للسنفونية، لأن المعايير مختلفة بالكامل هنا وذلك على غرار الأوقات وفن ديكور المسرح والألوان. أحيانا أحب اللجوء إلى الآلات الإلكترونية، لكن ليس دائما. أنا أستلهم من النصوص سعيا وراء النبرة المناسبة والمناخ الملائم للعمل الأوبرالي.
«عن الحب وشياطين أخرى» ليست أول رواية لماركيز التي تتحول إلى أوبرا، بل إنها المرة الرابعة التي تعرض فيها أوبرا مستوحاة من إحدى رواياته في مهرجان «غليندبورن» الإنجليزي، فقبل أربع سنوات قام الملحن الإيطالي جويجيو باتيستيلي، على سبيل المثال، بعرض نسخته الخاصة من» خريف البطريرك» في «بريمين» في إنتاج مدهش يصعد فيه ممثلان، محظية وجندي، إلى خشبة المسرح من رواق المقاعد الأمامية للمسرح في حين تنتشر على جانبي الإطار المسرحي، خارج حفرة الأوركسترا، كل مكونات الجهاز الذي تحضره المرأة إلى بيت الزوجية.
«عن الحب وشياطين أخرى» تقوم على جزئيتين، أحدهما يتعلق بالعرض المسرحي الذي صممه الروماني سيلفيو بوركاريت، والثاني يتمثل في الإدارة الموسيقية للروسي فلاديمير جوروسكي، المدير الفني الحالي لمهرجان«غليندبورن» .أما غناء الحوار بين العبيد فإنه يتم باللغة الإنجليزية مع استخدامات عرضية للغة «يوروبا» النيجيرية واللغة القشتالية عندما يتعلق المر باستحضار أشعار غارسيلاسو دي لا فيغا.
«عن الحب وشياطين أخرى»
خلال الحقبة الاستعمارية في أميركا اللاتينية مطلع القرن التاسع عشر تقريبا، تظهر ماركيزة صغيرة عشية عيد ميلادها الثاني عشر.هذه الطفلة تدعى سييرفا دي تودوس لوس سانتوس.
وهي ابنة السيد إيغناسيو دي ألفارو ودوينياس، الماركيز الثاني في «كاسالدويرو» وبانديرا كابريرا، وهي مهربة سابقة للأجناس. كانت سييرفا ماريا سباعية ولدت مع حبل سري ملتف حول رقبتها، الأمر الذي دفع الناس إلى الاعتقاد بأنها كانت ستموت مختنقة. العبدة دومينغا دي أدفيينتو ساعدت أمها على الولادة ونذرت ألا تقص لها شعرها حتى تتزوج إذا بقيت سييرفا على قيد الحياة.
والداها لم يحباها قط، وهكذا قامت دومينغا بتربيتها وتكفلت بتعليمها ومراعاتها وسط العادات واللغات والديانات وحنان العبيد السود بعيدا عن أي اتصال مع البيض.
باسل أبو حمدة



