اختارت العازفة الموسيقية السورية مايا يوسف مبكرا آلة القانون المعقدة والصعبة لكي تمارس عليها هوايتها الأثيرة، فمنذ نعومة أظفارها أي عندما كانت في العاشرة من عمرها جذبتها هذه الالة الموسيقية الكثيرة الأوتار ، عندما كانت في طريقها إلى معهد الموسيقى في سيارة أجرة برفقة والدتها لكي تتعلم أصول العزف الموسيقي حينما وضع السائق في الطريق شريطا لموسيقى أسرتها تماماً، وقبل النزول سألت مايا السائق فقال لها إنها معزوفات قانون. وهكذا اختارت هذه الآلة بدلا من الكمان مما أثار دهشة الجميع في إطار العائلة.
صناعة القانون... يتكون القانون من صندوق صوتي يصنع عادة من خشب الجوز على شكل شبه منحرف قائم الزاوية ويوجد في الصندوق عدة فتحات تسمي الشمسة لتقوية الرنين، وتحتوي القانون في الغالب على 78 وترا لكل ثلاثة أوتار درجة صوتية واحدة وتشد الأوتار بشكل مواز لسطح الصندوق الصوتي وفي الجهة اليسري من آلة القانون توجد مسطرة شد الأوتار أما في الجهة اليمني فيوجد الفرس وهو عبارة عن قضيب من الخشب يحمل الأوتار وتصنع آلة القانون عادة من خشب الجوز ،،وأحيانا من أخشاب اخرى كالسيسم والجام، ولها شكل شبه منحرف قائم الزاوية. ويعتمد الصانع في صناعته على عدة معايير، منها: قياسات معينة وثابتة، ونوعية خشب جيدة تمنحه جمالية الصوت. ومن أشهر الدول العربية التي تتميز بصناعة القانون هي جمهورية مصر العربية.
تقول مايا التي بدأت بدراسة الموسيقى في معهد صلحي الوادي للموسيقى ومن ثم في المعهد العالي للموسيقى في دمشق، أن إجادة العزف على القانون يتطلب ما لا يقل عن ثماني سنوات، أما الوصول إلى مرحلة القدرة على التعبير عن المشاعر والأحاسيس الداخلية من خلال العزف فذلك يتطلب زمنا من الجهد والتدريب والممارسة بما لا يقل عن خمس ساعات في اليوم الواحد وتقول، «كل دقيقة عزف هي حصيلة يوم تمرين».
وعن نشاطاتها الفنية تقول «أسست مع صديقاتي ونحن في السنة الدراسية الأولى فرقة «التخت الشرقي النسائي السوري»، كنا خمس عازفات على آلة العود والقانون والإيقاع والكمان. ومثلنا بلدنا في العديد من بلدان العالم، منها الأسبوع الثقافي السوري في بكين، وهولندا وفي يوم المرأة العالمي في إيطاليا وفي معرض الكتاب العالمي في ألمانيا والباكستان واليونان. وجميع تلك الأنشطة خلال ثلاث سنوات فقط».
وتقول عن المحطات الأساسية في حياتها، «كان لقائي بمدرسي في المعهد الفنان التركي خليل قدمان دورا كبيرا في حبي الكبير للقانون وتعمقي بالموسيقى، إذ فتح أمامي آفاقا واسعة لا حدود لها. وأنا حريصة على المشاركة بين الحين والآخر في ورشاته التدريبية لاكتساب مهارات جديدة ومتابعة تطور إمكانيات هذه الآلة».
بين باخ والموشحات
وفيما يتعلق بآلة القانون وأكثر البلدان شيوعا فيها، تقول أنه كان لهذه الآلة شعبية واسعة جدا في بلدان الشرق سواء لدى الفرس حيث تدعى بالسنطور ويعزف عليها بمطرقتين معدنيتين صغيرتين أو في تركيا والبلدان العربية بعد تطويرها على يد الفارابي لتأخذ شكلها الحالي، ولا شك أن العصر الذهبي لها كان في عهد ازدهار الأندلس.
وتذكر أن البلدان الأكثر اهتماما بالقانون هي تركيا، التي استطاعت أن تطوره وتضيف إليه تقنيات عديدة وبذا أصبح بإمكان القانون عزف البيانو أو الهارب أو أية آلة موسيقية، وتضيف قائلة، «القانون، حساسيته عالية جدا وهو الأغنى بين جميع الآلات الموسيقية، وذلك للاتصال المباشر بين العازف والوتر إلى جانب أنه يضم 78 وترا في ثلاث أوكتافات أو مجاميع ونصف. كما أنه الآلة الوحيدة التي بالإمكان العزف عليها جميع المقطوعات الموسيقية سواء الغربية أو الشرقية من باخ وبيتهوفن إلى الموسيقى الصينية والهندية انتهاء بالموشحات».
سفيرة بلدي
وعن أهمية مشاركة الفرقة في الحفلات الموسيقية الخارجية تقول، «كانت لحفلاتنا الموسيقية في إيطاليا في يوم المرأة العالمي على أهم المسارح سواء في بولونيا أو بقية المدن، دورا كبيرا في عكس الصورة النمطية عندهم عن المرأة العربية المقموعة والعاجزة المغمورة. كم كانت دهشتهم كبيرة لرؤية خمس عازفات عربيات على مسرحهم يقدمن نموذجا راقيا من الموسيقى الشرقية.
وسبب تلك الدهشة أن أهم صحيفة في إيطاليا كانت قد سبق ونشرت دراسة قبل أسبوع من وصولنا عن وضع المرأة العربية، والصور الخاصة بالمقال تصور المرأة متسربلة في السواد وفي قمة الجهل والتخلف.
وكان عدد كبير من المسؤولين الأكاديميين والحضور يطرحون علينا العديد من الأسئلة عن حال المرأة العربية. هذه التجربة جعلتني أشعر بالمسؤولية تجاه نفسي وبلدي والعالم العربي وشكلت عندي حافزا للمزيد من التطور».
متاعب المهنة
وفي إطار متاعب مهنة الفنان الموسيقي، توضح مايا أن تلك المهنة من أصعب المهن إذ أن على الموسيقار أن يتدرب ما لا يقل عن خمس ساعات في اليوم الواحد مع ضرورة الاختلاء بنفسه لسماع الموسيقى أو التأمل والتفكير، ولهذا السبب فإن الأسرة تلعب دورا هاما في إتاحة الفرصة لتألق موهبة أحد أفرادها.
ولدى سؤالها عن مدى تأثير كونها ابنة الكاتب السيناريست الشهير حسن م. يوسف والمترجمة القديرة روز مخلوف التي حازت على العديد من الجوائز تقول: «تربيت في بيئة تتنفس وتعشق وتعيش الفن والأدب والثقافة ومن ضمنها الموسيقى. وقد ساهمت تلك الأجواء في تذوق الجمال المحيط بنا والارتقاء بإحساسنا فيما يرتبط بالفن والموسيقى. وإن كانت الصعوبة تكمن في ارتفاع معيار التوقعات».
وتعود لمتاعب المهنة لتبين أن من الصعوبات الحالية هو عدم قناعة مجتمعاتنا أن الاهتمام بالموسيقى يمكن أن يتحول إلى مهنة. وتضيف، «إلى جانب الإيقاع المختلف للحياة فمن المحتمل أن يشارك الفنان في عشر حفلات أو أكثر في شهر واحد وأن يبقى لعدة أشهر بلا أي نشاط. كما أن هذه المهنة تلازم الفنان ليلا نهارا وليس كالموظف الذي ينتهي عمله بخروجه من الدوام».
دبي والموسيقى
وعن قراءتها لمكانة الموسيقى في دبي لا سيما بعد استقرارها فيها وتعاقدها مع عدة معاهد لتقديم عزف منفرد، تقول أن ثقافة الموسيقى والحضور لأجل الاستماع فقط لا يزال خجولا بحاجة إلى المزيد من التشجيع والترويج، في حين أن التواصل مع الثقافات المتعددة يشكل إضافة غنية، وبالمقابل يتيح لي الفرصة لتعريف الجنسيات الأخرى بآلة القانون التي يطربون لترانيمها وينجذبون لعذوبتها مما يدفعهم للتوقف والاستفسار عنها.
طموحات الغد
وعن طموحاتها ومشاريعها المستقبلية تقول أنها تعد حاليا لتسجيل مقطوعات موسيقية كلاسيكية تجمع بين الشرقي والغربي بعزف منفرد على قرص مدمج، وسيضم التسجيل معزوفتين من تلحينها إحداهما بمرافقة البيانو. كما ستشارك في مهرجان ثقافات العالم الذي سيقام في لاهور عاصمة الباكستان في 15 أكتوبر .
رشا المالح

