وحدها الموسيقى، تعرّف بالمختلف والمنتظَر، وليس التنويع الصوتي
في مقاماتها، ومن ثم التنويع في كل ما يمت إلى الكائن الحي، وحتى الجمادات في الطبيعة بصلة، إلا اشتقاقات الاسم الجامع: اسمها!
الموسيقى لا تتوقف كحاضرة أرواح، كقيمة جاذبة لكل مكوّن وجودي، على مجرد السماع، أي المحيط بطبلة الأذن، فثمة من يتحدث عن القلب الذي يصغي، عن المسامات التي تخشع لحركية الأصوات الخافتة، عن إيقاع الأيدي المتداخلة، عن العيون التي تغيب في إيقاع الإغفاءة الأولية دخولاً في اللحظة المنتظرة، عن وتيرة الأحلام ذات الصدى، عن معزوفة العمر التي لا تتوقف، عن بحة الشجن، وصمت النصوص العذب...الخ.
وهذه كلها تبرز، بقدر ما تتواكب في فضاء الصوت المسموع خارج الإيقاع الحسي، كما تعلمنا الطبيعة، إذ إن كل ما اعتدناه في الموسيقى، من نثرها الحي، وتوصلنا إليه، ليس سوى ما اكتشفناه خارجاً، ونحن جزء من هذا الخارج الذي يوصلنا بما يتجاوزنا، بما يطربنا.
ويصعد بمقاماتنا، بتلك الخميرة الدائمة الحضور فينا: الموسيقى مجدداً! الحديث عن الموسيقى، يجب ألا يخفي كل إحالة إلى بدايتها، إلى اعتبارها نثر العالم، في الوقت الذي يتم التركيز على علاقة الموسيقى بالشعر، وبالقافية، فالإنسان تعلَّم الكلام، ومن ثم اهتدى إلى الشعر، وما الكلام الأول.
إلا هذا النثر الذي يشدد على وشائج القربى الحميمة والقوية بين الدال والمدلول، بين الإنسان ومكونات الطبيعة، سارحاً فيها، وهو يحاول التخلص من وطأة المجهول، بمعلوم يتناسب ومعرفته للأشياء، مضفياً على كل اسم، يتميز عما عداه، بعداً إيقاعياً، وكأن الصادر عنه هو حقيقة الخارج، وهو يغفل صدى داخله.
ولكن كل ذلك لا يعدو أن يكون تأويلاً وتفسيراً واصطلاحاً للعالم، لِما يخص قوانينه الخاصة، ليكون هو نفسه داخلاً في هذه الأطروحة الكونية العظمى، كون الأرض مجرد كوكب صغير، يتحرك، كعضو طبيعي، وبإيقاع محدد، داخل اللوحة السيمفونية للكون، وبالطريقة هذه، يمكن الحديث عما يسبق البدايات التي يحددها المؤرخون، علماء الآثار، الفلكيون...، بمعزوفاتهم المختلفة.
إن الحديث عن مليارات السنين، عمراً مفترضاً للكون، دخول في متاهة الأرقام، ولعبة السنين الضوئية، والكائنات المجهولة في كوننا هذا، ولكنه حديث يرجعنا إلى ما يصنفنا نحن البشر المأخوذين بالمركزة الكونية، نؤدي أدواراً، لا يمكننا تحديد بداياتها المجهولة، ونهاياتها غير المعلنة بعد.
وهذا هو نثر العالم الحقيقي، الموسيقى التي تخرج على علاماتها، ومفهوم الصولفاج الضابط لها، تخرج عن الخطوط المدوزنة لها، عن قائمة الأصوات المحصورة ضمن حيّز فراغي مفترض، وهي في أصولها الفعلية تعنينا وحدنا، ولا صلة لها البتة بحقيقة الموسيقى التي تعم الكون في كليته، وكل اقتطاع للموسيقى، عندما نشير إلى ما هو إيقاعي، أو نفخي، أو وتري، هو محاولة اجتهادية تروم سلاماً واطمئناناً، ولسان حال العاجز في الإحاطة بكل شيء.
وفي الحالة هذه، وكمثال، من يمكنه الحديث عن موسيقى النجوم، موسيقى الصمت، موسيقى الأعماق، موسيقى الكائنات التي نجهلها، وهي تعيش حيواتها المختلفة، بعيداً عنا، ولا تدخل طي العدم، إذ نعلن عن أننا لا نعرفها، من يمكنه الحديث عن أصوات، هي أسماء لا تُضبَط، تتعارف بها الكائنات فيما بينها ضمن حاضرة هي الطبيعة، أو الأم الكبرى، وفق التسمية الأسطورية القديمة، قبل آلاف السنين، كما لو أن الأب الأكبر يمثل تلك القوة المخصبة للكون.
ويضفي على وتيرة الحياة تلك القيمة اللافتة في الإيقاع المختلف، آناء الليل وأطراف النهار، الموسيقى التي لا تتوقف، هي أكثر من مجرد سماع لألحان، لأصوات، لحركات، لأجسام تتلاقى وتنفصل، لعمل الخلايا العصبية، لعناصر الطبيعة، لتلك الرابط القوية بين العدد والنغم... الخ؟
في الانتقال إلى الموسيقى، كموسيقى، يكون التطهير في الحالة النثرية للكون، معايشة حصاد الأرواح، ودوام الهارمونيا الكونية إلى أجل غير مسمى. ذوو الأرواح الطليقة وحدهم، يعيشون الموسيقى كنثر، وهم وحدهم يلهمون الشعراء ببعض أثير مما عندهم من موسيقى حية، تلحق الجسد كلاً صوتياً واحداً!!
إبراهيم محمود
