مساحة البحار والمحيطات الهائلة، التي تزيد عن ثلاثة أرباع حجم اليابسة، مخلوقة هكذا بإعجاز الخالق سبحانه وتعالى لحكمة لا يعرفها سواه، فسر بعض منها علماء التفسير بأنها تحدث التوازن المطلوب على الأرض بكل مظاهرها الطبيعية من رواسي، وهي الجبال والوديان والصحراء.
ولأن البحار إعجاز حقيقي، فهي أكثر من جماليات في الكون، فإنها من أسراره ومعجزة من معجزات الخالق، الذي وصف البحر بأنه «ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها، ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور» (سورة النور الآية 40)، وهذه الظلمات عرفها العلماء الآن بعد أن استعانوا بغواصات مجهزة، وخرجوا بنتيجة مفادها أن الإنسان لا يمكن أن يغوص لأكثر من ثلاثين متراً، وإلا تعرض لظاهرة الظلام التي أوردها القرآن الكريم، وهي تنشأ كتفسير مبدئي ـ قال العلماء ـ نتيجة اختفاء الألوان في طبقة بعد طبقة. وحكايتنا مع البحار لا تنتهي، فهو سر عظيم ولغز كبير، لا يقوى الإنسان على فك رموزه، وإنما يكتفي لما تسمح به نفسه من تحمل فقط، حتى لا يكون مفقوداً فيه. فتختلف صفات الماء على الأرض بسهولة تدفقه من جهة إلى أخرى، حاملاً الدفء أو البرودة، وله قوة انعكاس جيدة للإشعاع الشمسي، ولذلك فإن درجة حرارة البحار لا ترتفع كثيراً أثناء النهار ولا تنخفض كثيراً أثناء الليل، وذلك من الإعجاز الذي يوازن درجة حرارة الكون كله.
فالبحار حراك في دوامة، تطاول الخلود في بقائها، تمر ملايين السنين، والبحار تتعاقب مياهها لتأتي إلينا بموجة مسالمة تعانق الشطآن تحت قدمينا، ودلت الأبحاث الحديثة التي دفعها الإبهار والإعجاز لفك رموز البحار وأعماقها على أن أقصى أعماق البحار تعادل أقصى علو للجبال الرواسي على اليابسة.
ولم يقف دأب العلماء باستفزاز في البحار والمحيطات لتجود لهم ببعض من الأسرار، وليست جميعها، ففي دراسة أعدها الصندوق العالمي للبيئة ومقره بون في ألمانيا، جاء أن قيمة بحار العالم ومحيطاته من حيث ثرواتها المختلفة تعادل 3 .13 تريليون يورو سنوياً، ويرى معدو هذه الدراسة أن حماية البحار والمحيطات ضرورة قصوى وملحة حتى تحتفظ بثرواتها التي يحتاجها الإنسان عبر رحلة الحياة قصرت أم طالت.
واتفقت الدول الموقعة على الميثاق البيئي عام 2004 على السعي من أجل تحديد شبكة من المحميات البحرية، على مستوى العالم حتى عام 2012.
فجماليات البحار ليست فقط هي المغزى، وإنما تزخر تلك المسطحات المائية بكل ما يفيد الإنسان في حياته.
البحار.. معالجاً لأمراض كثيرة، نعم ففي مياه البحار والمحيطات تركيبات طبيعية بنسب قدرها الله سبحانه وتعالى لصالح الإنسان، فاليود الذي يمكن استنشاقه أثناء السباحة على سطح الماء، أو أن يصل إلينا ونحن على الشواطئ المختلفة على امتداد العالم، هو علاج طبيعي ومفيد للغدة الدرقية الموجودة أسفل العنق، وهو علاج لها من أي اضطرابات هرمونية أو كسل وتقصير في وظائفها الحيوية.
أيضاً نسبة الأوكسجين العالية التي يستنشقها الإنسان، في حالة وجوده في المناطق الساحلية، تفيد الدماغ وتحفز خلايا المخ وتعمل على تجددها دوماً، وتفيد كذلك في الحفاظ على الذاكرة من أي عطب، وربما من هنا نجد أن العديد من المصحات العلاجية للمسنين بصفة خاصة والذين تغلب عليهم في هذه المرحلة مشاكل في الذاكرة، قد تصل إلى ذروتها بالإصابة بمرض الزهايمر (عطب الذاكرة) وهو مرض يسمى بهذا الاسم، نسبة للطبيب الزهايمر الذي اكتشفه في منتصف القرن الماضي، نجد هذه المصحات تبنى بالقرب من البحار والمحيطات، فاليود المنتشر منها يساعد على الشفاء النسبي للذاكرة.
ومازالت البحار والمحيطات تجود بكل ما عندها من علاجات طبيعية، هي من أسرار مياهها التي تصل إلينا في شكل أمواج متلاحقة، تحمل إلينا الصحة والشفاء والوقاية من الأمراض.
إعجاز آخر يحمله لنا ماء البحر والمحيطات، وهو الشفاء من العقم الأولي الذي يمكن علاجه بطريقة سطحية لدى النساء بصفة خاصة، أما التكنيك المتبع في ذلك فهو توصيل أنابيب خاصة من المصحات والمستشفيات المتخصصة في علاج العقم ـ هذه الأنابيب محملة بماء البحر والمحيط لتصل بطرق هندسية معقدة للمصحات ليتم العلاج بها دون أي إضافات صناعية، وأفادت الدراسات بأنه وصلت نسبة الشفاء بهذه الطريق بماء البحار والمحيطات إلى أكثر من 50%.
إعجاز آخر يفوق كل نظريات العلم في علاج الصدفية، وهي مرض جلدي يحول البشرة إلي شكل صدفيات الأسماك، ففي مياه البحر الأحمر بصفة خاصة في مصر يوجد بها مركبات خاصة لم يتوصل العلم لها حتى الآن كشفاء من مرض الصدفية تماماً، وأكثر من ذلك ففي مياه البحر الأحمر نفسه بعض الأسماك متوسطة الحجم غير متوحشة تتغذى على قشور مرض الصدفية، فينزل المريض ومعه اختصاصي في الطب الجلدي يحدد كيفية تعرض المريض لهذه الأسماك ويتم ذلك في مراكب متوسطة الحجم يمكن أن يخدر المكان المصاب حتى لا يشعر الإنسان بأي ألم، وإن كان المرضى أكدوا إن هذه الطريقة غير مؤلمة.
وماذا عن الرشاقة والجمال والحيوية؟
علاجهما أيضاً في مياه البحار والمحيطات، فقد استخدمت المصحات المتخصصة في تخفيض الوزن وشد الجلد بعد فقدان الوزن، استخدمت توصيل المياه البحرية،عبر أنابيب خاصة لداخل المصحات يتعرض لها المريض عن طريق مضخات يتحكم في سرعتها الأطباء، تخلخل الدهون الموجودة تحت الجلد وعلى أعماق كبيرة، فتزول الدهون المعروفة باسم «ساليولايت» والتي تحول الجلد إلى ما يشبه قشور الموالح.
التدليك بمياه البحر يزيل مواطن الشحوم في المناطق التي تتجمع فيها، كالذراعين والأرداف والبطن خاصة لدى السيدات.
السباحة تكنيك طبي يساعد على تحريك العضلات المصابة لدى الصغار نتيجة مرض شلل الأطفال أولين العظام، إنه الإعجاز الحقيقي لخلق الكون ومن فيه.
وماذا عن الجمال؟
إنه موجود في البحار والمحيطات، فالشعب المرجانية المتفرعة في جمال طبيعي، تصطاد بطرق مختلفة تستخدم في زينة المنازل، وتصنع منها الحلى المرجانية في شكل حبات من سلسلة ذهبية تزيد العنق جمالاً أما اللؤلؤ، فهو حكاية تحكى!
هو أعجب ما في البحار والمحيطات، فهو يهبط إلى الأعماق داخل الصدفة من المواد الجيرية لاتقاء الأخطار، وتتكون اللؤلؤة النادرة بفعل عمليات معقدة تحدث في الأعماق، حتى يصيد الغواص المحارة واللؤلؤة، ومياه الخليج هي المنطقة الأغنى للؤلؤ النادر.
أغلى أنواعه وأكثرها قيمة اللؤلؤة السوداء والزهرية اللون وهي تتوافر في منطقة جنوب شرق آسيا وخاصة في اليابان.
وماذا بعد؟
فالبحار والمحيطات كانت بمثابة «بلاتوه» مائي للعديد من الأفلام السينمائية العالمية، مثل «تايتانك» و«الفك المفترس» و«20 ألف فرسخ تحت الماء» وللسينما المصرية أفلام عدة اتخذت من البحر بلاتوها لها منها «الطريق إلى إيلات» و«جزيرة الشيطان» وغيرهما، أما الشواطئ على امتداد السواحل فقد شهدت مقاطع من أفلام زمن القمة السينمائية منها «دقوا الشماسي» وأغنية «أحضان الحبايب» لحليم الذي حول المكان لحالة من الرومانسية والشجن، في حوار خاص مع أمواج المتوسط وكأنها خلفية لموسيقى الطبيعة.
أما الدراما التلفزيونية، التي اتخذت من الشواطئ مسرحاً لها، فأهمها مسلسل «زيزينيا» للكاتب الكبير أسامة أنور عكاشة، وهو صراع بين طبقات المجتمع وقتذاك: ومسلسل «الراية البيضاء» للمخرج محمد فاضل الذي يعكس أيضا الصراع الطبقي في المجتمع.
وهكذا فإن البحار والمحيطات ستظل دوماً ترسل لنا «رسالة من تحت الماء»، فقط علينا فك رموزها، وقراءة أسرارها.
أما نحن فسنظل ندخل في حوار غير متكافئ مع البحر نحكي ونبوح، وربما تختلط الدموع برذاذ أمواجه الملحية، ولكن لعل مشهداً من مشاهد الغروب في الأفق البعيد يعدنا بلقاء جديد.. ومعه نستعيد الحلم الذي ولى، ومعه نحيا يوماً جديداً في مسيرة حياتنا.

