ما أسهل الكتابة عن الماضي، عن زمن رحل، عن أشخاص ماتوا، عن حياة كانت أفضل من حياتنا، وعن زمن جميل نتحسر على فقدانه، بل نتمنى أن يعود لندخله سعداء من بوابة الحنين إلى أيامه الرائعة التي يتغنى بها الشعراء ويمجدها المؤرخون، ويرى فيها الآباء ما يستحق التقدير والتنهد والتمني آه لو عادت تلك الأيام.
نحن أمة ماضوية، ترى مستقبلها من خلال تلك النافذة التي تدخل منها ريح الأمس، وتقيس حاضرها بيومها الراحل فترى أنه أجمل، أمة كئيبة لا ترى في غدها شعاع ضوء، لذلك تخاف من الشبابيك المفتوحة على أفق جديد، نمجد أمسنا بطريقة مقدسة فيها من التبجيل ما يفوق التصور، ولا ترى من غدها سوى قتامة في الأفق.
عن أمسنا السحيق ومنه ينهل كتاب الدراما التلفزيونية ويدبجون فيه قيماً أصيلة، قيماً تستمد شرعيتها من اتفاق اجتماعي على موروثات سابقة هي في نظر العامة أجمل وتستحق أن تكون نبراسا لحياة الأجيال، لذلك يتربى الأبناء على نظرة جامدة نحو الأمس، لا تقدسه فحسب بل تنهل منه كأنه ماء يروي ظمأ أرض قاحلة.
لا يتوقف الأمر عند الدراما فقط، لأن الأغنية تجد بعدها الوجداني في تلك الأيام الخوالي التي سهر فيها العشاق على قمر أضاء حي قيس وليلى ووصلت ظلاله إلى مضارب جميل بثينة، وحملت الأغنية من عذابات الأمس ما تنوء عنه جمال الصحراء، وكادت شكوى المغني من يومه أن تميت كل عشاق الحاضر كمدا وقلة حيلة.
في الأدب يعيش الأبطال مع ذكريات شديدة الإيغال في أمسها ويختار المؤلفون شخصيات تتقاطع فكريا مع الأيام الخوالي، شخصيات تنطق بأفكار مستمدة من كتب التاريخ، وآداب التعامل مع المجتمع بمفهوم المدينة الفاضلة، وليس بمفهوم المدينة الواقعية التي نعيشها أو نلمسها، شخصيات جاءت من كوكب آخر وليس من الجوار.
وفي الجوار قصص تتفوق في دراميتها على كل ما قدمه الأدب والتلفزيون، قصص من الواقع، تشبهنا، لا يعظ فيها الكاتب أو الشاعر أو المغني أحدا، إنها قصص الحياة ذاتها، أشخاصها نحن وهؤلاء وأنتم وكل من تلامسه حياتنا بمعناها الواسع وليس الصغير المغلق على حكم وأمثال وحكايات إرشادية.
ثمة حقيقة تغيب عنا أن المستقبل آخر اهتماماتنا والحاضر لا نراه وأن الماضي هو الحياة العذبة الرائعة.
أي وهم نحن فيه؟
