لم يكن السنغالي صمبين عثمان المولود سنة 1923 روائياً فحسب بل ومؤسساً لفن السينما المستقلة في إفريقيا واستطاع أن يقطف عدة جوائز عالمية لأفلامه المثيرة حول إفريقيا. إفريقيا التي رزحت طويلا ولا تزال تحت الفقر والبؤس والفساد والجهل ومؤخرا تحت تفشي الأمراض الفتاكة ولهذا قال صمبين يوما: من عيوب هذا العالم، المدان، سيولد عالم جديد طال انتظاره ولازم أحلامنا طويلا.
إفريقيا التي لا يُكتب أدبها بلغات أهلها بل جُلّه يستعين باللغات الأجنبية كالفرنسية والإنجليزية والبرتغالية وغيرها. وفي روايته «الحوالة» التي حولها إلى فيلم روائي سنة 1968 تحت عنوان «مندابي» وهو فيلم استخدم فيه صمبين اللغات المحلية إلى جانب اللغة الفرنسية وحاز على عدة جوائز وأثبت فيه أنه يمتلك ناصية الفن السابع رغم اقتصاره على دورة دراسية لمدة سنة في موسكو. سلم ساعي البريد الرسالة ومعها الحوالة المرسلة من باريس. قالت آرام الزوجة الكبرى للزوجة الصغرى: جاءنا الله أخيرا يا ميتي. وأنتِ دائما كنت تندبين حظنا العاثر.
ثم أضافت: مَنْ تراه أرسلهما؟.. ليس في باريس إلا الأجانب! أتظنين يا ميتي أن رجلنا لا يُخبرنا عن كل شيء؟
في مكتب البريد رفض الموظف تسليمه الحوالة ما دام لا يحمل هوية، حتى عندما قال له إبراهيم ان لديه وصل الضريبة وبطاقة الانتخاب. ولكن إبراهيم انسحب وهو يرى في عيني الموظف نظرة ازدراء وهو يتذكر القول الشائع: لا تُغضب موظفا حكوميا، إنه ذو بأس شديد .
لقد ضاعت الخمسون فرنكا التي اقترضها أجرة للحافلة وها يعود صفر اليدين ماشيا على قدميه ليبدأ رحلة جديدة مع الشرطة: أعطني شهادة ميلاد وثلاث صور وطابعا بخمسين فرنكا . هكذا بدت طلبات الشرطة مستحيلة على إبراهيم لحظتها، ولم تشفع له أي توسلات أو شروحات من أن عنده حوالة يريد استلامها وأنها سترجع إلى المصدر خلال أسبوعين إن لم يمتلك بطاقة هوية.
وحين عاد إلى بيته بعد صلاة العصر خائبا كانت أفواج من أطفال الجيران تفد على بيته تتحرى عودته، وهو ما جعل من زوجته ميتي تقول: ديدان طفيلية! ما إن يسمعوا بمال عند أحد حتى ينقضّوا كالطيور الجوارح. أما الوفود التي جاءت لاحقا فلم تصدق أن إبراهيم لم يستلم الحوالة. فالجار مدياني دياني جاء ليستلف خمسة آلاف فرنك فقط ولكنه خرج بنصف كيلو رز فقط، أما الآخرون فخرجوا فارغي الأيدي.
في اليوم التالي وبعد صلاة الفجر انطلق إبراهيم ليمشي خمسة كيلومترات ليصل إلى دار البلدية لاستخراج شهادة ميلاد وبعد انتظار دوره في طابور طويل اصطدم مع الموظف لأنه لا يعرف تاريخ ميلاده بالضبط كما يريد الموظف، وخرج مهزوما ومهموما وفكر بمن يستعين على بلواه، ذهب إلى ابن عم له من بعيد متزوج من امرأتين إحداهما أجنبية تحث زوجها على الابتعاد عن أقاربه الذين لا يزورونهم إلا عندما تكون لهم حاجة. ولكن ابن العم سانده ومنحه مئة فرنك وشيكا بألف، غير أنه لم يتمكن من صرفه إلا بعد أن استقطع منه أحدهم ثلاثمئة فرنك ليسهل عملية الصرف.
وبمساعدة ابن العم الذي اصطحبه إلى البلدية تمكن من استخراج شهادة الميلاد، ثم ذهب للحصول على صور للهوية ودفع مقدما مئة فرنك ثمنا لها.
وحين عاد وجد أخته تنتظره في البيت وتلح وتلعن وخطبت خطبة طويلة لأنها تريد حصتها من المال الذي أرسله ابنها الذي ينساها بعد أن كانت تمسح مؤخرته، وباءت كل محاولات إبراهيم بالفشل في إقناعها أنه لم يستلم الحوالة واضطره إلى أن يرهن ذهب زوجته آرام عند مبارك صاحب الدكان الجشع الذي يزوده بالمؤن بالدين.
وعند المصور لم تكن صوره جاهزة في الموعد ورفضوا إعادة نقوده إليه وحين هاج ضربوه ضربا مبرحا وهددوه بدفع تعويضات عن الأضرار التي لحقت بالمحل مما دعاه إلى النجاة بنفسه مضرجا بالدم.
زوجته ميتي بعد أن ولولت أعلنت أن ثلاثة رجال هاجموه وسرقوا منه فرنكات الحوالة، هو أيضاً استحلى الفكرة رغم إيمانه العميق الذي يحرم عليه الكذب.
مبارك الجشع هدد إن لم يستحصل على دينه فإنه يطالب بالبيت الذي يسكنوه وهي فكرة رفضها إبراهيم بشدة، فيكفي ضياع الذهب مصحوبا بالمذلة.
ولأن إبراهيم غدا أشبه بالعاجز فقد استعان بـ «مبايي» المحامي لاستلام الحوالة فهو قريب زوجته ميتي وعمل له توكيلا عند الشرطة، إلا أن المحامي ادعى في اليوم التالي وبعد استلامه للحوالة، ادعى أنه سُرق، وأن المبلغ الذي سُرق منه يشمل أمواله والحوالة وأبدى أسفه وتعاطفه مع إبراهيم لذلك منحه خمسة آلاف فرنك ونصف كيس من الرز مكونا من خمسين كيلو والذي سرعان ما وزع إبراهيم أكثره على الفقراء وسط احتجاجات زوجتيه وهما ترددان: متى رأيت منذ بداية الكون فقيرا يرمي الرز؟..حتى الأغنياء لا يفعلون ذلك!
وجاء ساعي البريد وقال: إبراهيم دينج، ماذا يجري؟ سمعت أنك توزع الرز! وحين أخبره إبراهيم بما جرى قال له ساعي البريد: «إن ما فعلته كان من أعمال اليأس! أنا أيضاً سألبس جلد ضبع».
ردَّ إبراهيم: الغش والكذب وحدهما هما الحقيقة، الصدق جريمة في هذه الأيام.. أنا منذ عام عاطل عن العمل لأني اشتركت في إضراب. لديَّ زوجتان وتسعة أبناء، الغش وحده ينفع..
كريم السماوي
الكتاب: الحوالة
تأليف: صمبين عثمان
الناشر: مؤسسة الأبحاث العربية - بيروت 1985
الصفحات: 100 صفحة
القطع: المتوسط
Le Mandat
Sembene Ousmane
Schoenhoenhofsforeing Book 2000
P.190

