منذ انطلاق ثورة الاتصالات الشاملة أواخر القرن الماضي، وُهبت الحياة لملايين الأشجار، وأصبح ممكنا للمرء ألا يخاف من نقص الأوكسجين، أو خلل في التوازن البيئي، ويعرف علماء النبات والطبيعة عن مسألة الخلل البيئي ما لا نعرفه بسهولة، ولكن نعرف ان العالم بات يقتصد في صناعة الورق، وان كثيرا من القطاعات انخفض استهلاك الورق فيها إلى أقل من النصف، كما هو الحال لدى شركات الطيران.

طيلة عقود استهلكت تذاكر السفر أطنانا من الورق، وأهدرت في الهواء أطنانا أخرى من هذه المادة الثمينة التي لو عادت إلى جذورها لكانت أشجارا وارفة تمنح الإنسان نعيما من الأوكسجين النقي، ولو قام كل منا بحسبة بسيطة عن عدد الأشخاص الذين يسافرون يوميا وضربها زمنيا ببداية استخدام التذكرة ورواجها لكان عدد الأشجار اليوم يضاهي عددها أمس، ولأصبحت الحياة أكثر أمناً.

لقد بادرت قطاعات واسعة للتقليل من حضور الورق في أعمالها واستعاضت بالتقنية الرقمية التي كان أثرها كبيرا في التقليل من استخدام الورق، ويكفي ان يحمل المسافر معه رقما أو رمزا يتم إدخاله إلى الكمبيوتر المركزي ثم يذهب إلى وجهته بسلام دون عشرات الصفحات الملونة مختلفة السماكة، لقد كان حلا ذكيا قدمته التقنية الرقمية ليصبح الإنسان صديقا للبيئة وليس عبئا عليها.

ما فعلته قطاعات السفر لا تجرؤ عليه صناعة النشر المرتبطة أزليا بالورق، بالرغم من كل التطور التقني ظلت علاقة القارئ بالكتاب علاقة حنينية لم تعوضها شاشات الكمبيوتر، ولم تعطها الثورة الرقمية مجالا واسعا كما هو الحال بالنسبة لقطاعات أخرى، مثلا من يحب قراءة كتاب على الشاشة ومن يتخلى عن خصوصية ذاتية في التعامل مع كتاب شخصي أو اقتناء نسخة توضع في المكتبة لها بعدها الجمالي والروحي.

إلا انه ـ على سبيل الاقتراح الشخصي ـ يمكن للمطابع أن تتوقف عن نشر الكتب التافهة وألا تهدر الورق على كتب قليلة الشأن لا علم فيها ولا تسلية، وأخشى أن أقول إن كثيرا من الكتب مليئة بأوهام وأمراض مؤلفيها، وجدواها المجتمعية لاشيء، ولكنها تطبع بالآلاف، من يهتم لأمرها، لا احد، لكنها تملأ المكتبات، وتهدر حياة ملايين الأشجار وتحجب الأوكسجين عن البشر!

ترى من يقرر ـ توفيرا للورق ـ ان هذه الكتب تستحق النشر أو تلك لا تستحق، وهل هناك رقابة فعلا على حجب الكتب التافهة أسوة برقابة الكتب التي تمنع لأسباب غير منطقية، إن وجود رقابة كهذه تستحق أن ترفع لها القبعات، لكن أين هي؟

hussain@albayan.ae