«أخبار الأرض المسطّحة» كتاب موضوعه الأساسي هو الإعلام، أو بدقة أكثر التضليل الإعلامي . ويقوم المؤلف، صحافي التحقيقات الشهير نايكي ديفيز، بعملية تقصّي دقيقة وواسعة حول عمليات الفبركة التي تقوم بها وسائل الإعلام البريطانية لمجموعة من المعلومات التي تبتعد عن الحقيقة إلى هذه الدرجة أو تلك. ولكنها تتماشى مع مستلزمات لعبة التسويق. هذا ما تبيّنه عشرات الأمثلة كانت قد تعرّضت لا الصحافة البريطانية خلال السنوات المنصرمة.

إن المؤلف يؤكد منذ بداية تحليلاته أن الصحافيين أصبحوا يمتلكون اليوم قدرا من البراعة يسمح لهم بصياغة ما يسميه بـ «الأحداث المزعومة»، وهي مزعومة ضمن المقياس الذي لا تهمهم الحقيقة كثيرا. المهم بالأحرى هو الولاءات والمواقف الأيديولوجية لوسيلة الإعلام المعنية. ومن الخصائص التي يؤكد عليها المؤلف في اهتمامات وسائل الإعلام اليوم هناك ضرورة ركوب موجة المشاعر الشعبية السائدة و توظيف ذلك لصالح مجموعات الصحافة والإعلام الكبرى.

المثال الأكثر بلاغة الذي يتم تقديمه في هذا السياق كان وفاة الأميرة ديانا في حادث سيارة بالعاصمة الفرنسية باريس. وسائل الإعلام كلها عكست بـ «نبرة واحدة» حالة من الحزن الكبير التي عاشها الانجليز حيال ذلك الحدث. وبالتالي تعرّضت كل نغمة نشاذ لانتقادات عنيفة طالت كل من لم يُظهر قدراً كافياً من الحزن على وفاة الأميرة المحبوبة. ونفس الإجماع عند وفاة الملكة الأم في شهر مارس 2002 حيث أجمعت جوقة الصحف على وجود حالة حزن عميق على الجدّة المفضّلة للأمة التي كان القرن العشرين قرنها .

إن مؤلف هذا الكتاب يخرق قاعدة شائعة معروفة في عالم الصحافة ومفادها أن الصحافي لا يهاجم الصحافيين الآخرين ، وذلك تمشيا مع مقولة سائدة تقول إن الكلب لا ينهش لحم الكلاب ، كما يشير المؤلف. هكذا لا يتردد أحيانا في التعرّض لبعض زملائه بالاسم مثل جون آن غودوين من «الدايلي ميل» و نيل اندرو الذي جرى تداول اسمه في الصحافة البريطانية بشأن قضية مردخاي فانونو الإسرائيلي الذي كان يعمل في مفاعل الديمونة النووي في صحراء النقب وكانت بحوزته معلومات وصور أراد نشرها في «الصنداي تايمز» التابعة لروبرت مردوخ.

وكان مصير فانونو هو الخطف والسجن في إسرائيل لمدة 18 سنة. واسم دافيد روز الذي قدّم معلومات قبل الحرب في العراق يتم التأكيد أن مصدرها كان أجهزة الأمن التي لعبت دورا كبيرا في توجيه المشاعر السياسية لدى الرأي العام. ويؤكد المؤلف على الغياب المتصاعد لـ «الرقابة الذاتية» من قبل الصحافيين، مع ما يمكن أن يشكل هذا الغياب من عدم احترام لـ «الميثاق المهني للعمل الصحافي».

مع ذلك لا ينسى المؤلف أن يفتح في هذا السياق قوسين للتأكيد أنه لا يزال هناك العديد من الصحافيين والعاملين في حقل الإعلام الذين لا يزالون يحتفظون بقدر كبير من الاستقامة في العمل داخل النظام الإعلامي القائم. هذا النظام الإعلامي« هو الذي يوجّه له المؤلف أصابع الاتهام بأنه فاسد . هذا ومن الصعب أن يحافظ الصحافيون على نقائهم في إطاره.

ومن النتائج التي يتوصل لها المؤلف قوله إن أول الضحايا للتبدلات التي عرفتها مهنة الإعلام نفسها هم عامة الصحافيين أنفسهم أما السبب العميق لمثل هذا الأمر فيجده في كون أن وسائل الإعلام المعنية تعطي الأولوية بالأحرى لعلاقتها مع المؤسسات والمجموعات المشرفة عليها أكثر مما توليها لـ «الواجب العام». وأصبح من الصعوبة بمكان في هذا السياق القيام بعمليات تقصّي حقيقي عن المعلومات.

ويتحدث المؤلف عن نمط جديد من صناعة الأخبار . ويرى أن الصحفيين مرتبطين في المصنع الإعلامي الجديد عبر مكاتبهم بسبب نقص الميزانيات وأيضا بسبب نقص الوقت. هكذا يجدون أنفسهم في مثل هذه الظروف مرغمين على الاعتماد في المادة التي يقدمونها على مصادر تزويد . ثم يقومون هم بعملية إعادة تدوير ، على غرار مصانع إعادة تدوير المواد المستخدمة، والمعلومات المطروحة في الساحات العامة من قبل آخرين، و يصيغونها حسب مقتضيات الظرف.

ويؤكد المؤلف في هذا السياق بناءً على دراسات وإحصائيات محددة قامت بها جامعات مختصة مثل جامعة كارديف أن الصفحات المختصة بالأخبار في عدد من الجرائد البريطانية الرئيسية مثل «الدايلي ميل» مأخوذة بمعدّل 70 بالمائة من محتوياتها من وكالات الأنباء العامة المعروفة.

هذا يعني أنه بمقدور وكالات العلاقات العامة التابعة لمختلف المؤسسات أن تمرر عبر نشرات وكالات الأنباء ومواقع شبكات الانترنت التي تستخدمها ما ترغب بنشره مهما كانت درجة مطابقته، أو عدم مطابقته، للواقع والحقيقة. ويكرّس المؤلف في هذا السياق عددا من الصفحات لتفحص الدور الذي قامت به وكالات العلاقة العامة المتنوعة في وسائل الإعلام خلال الفترة التي سبقت الحرب الأخيرة ضد العراق، والنتيجة التي يخرج بها دامغة تماماً من حيث ما شهدته من تضليل إعلامي .

ويبيّن المؤلف أيضا مدى السهولة التي يمكن أن يتم بمقتضاها إدراج العديد من المسائل المثيرة للجدل في وسائل الإعلام، وذلك تحديدا بواسطة وكالات العلاقات العامة. ويشير المؤلف هنا إلى ما كتبته الصحافة البريطانية حول ثلاثة من رجال الأعمال الانجليز المتورطين في قضية انرون الشهيرة، وحيث أظهرت التحريات التي قام بها المؤلف أن مصدر تلك الكتابات لم يكن في نهاية المطاف سوى رجال الأعمال المعنيين أنفسهم. ما يصل إليه المؤلف هو أن الصحافة البريطانية كانت عرضة لـ «التلاعب» المدروس، وإنما المقبول من طرفيها. بل هي واعية بما تفعل على خلفية مصالح معينة.

حالة عيانية

كتاب عن واقع التسطيح الذي عرفته مهنة الإعلام في المجتمعات الغربية ضمن إطار العولمة، وذلك من خلال دراسة حالة عيانية هي الحالة البريطانية. ويبرهن المؤلف فيه أن وسائل الإعلام لم تعد تقوم بمهمتها الأساسية، أي الإعلام، وإنما تبحث بالأحرى عن تلبية متطلبات السوق و السباحة مع التيار السائد تودداً من القرّاء.

الكتاب: أخبار الأرض المسطّحة

تأليف: نايكي ديفيز

الناشر: شاتو ووندسور لندن 2008

الصفحات: 416 صفحة

القطع: المتوسط

Flat earth news

Nick Davies

Chatto and Windusur

London - 2008

P.4161