«النزاع في أفغانستان» هو العنوان «العريض» للكتاب الأخير للمؤلف مارتن ايوانس الذي يكرّسه بالتحديد لتحليل الحرب الأفغانية من بوابة عدم التكافؤ . وهو يقدّم لمفهوم عدم التكافؤ التعريف التالي: إنه يعني قيام نزاع مسلّح بين دولة تملك جيشا نظاميا ضد مجموعة ـ ليست دولة أو ضد ميليشيات مسلّحة . بكل الحالات غدا تعبير الحرب غير المتكافئة شائعا جدا اليوم.

النموذج الذي يعتمده للانطلاق في تحليله للحرب المتكافئة هو بالتحديد تفجيرات 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن. لقد استطاعت آنئذ مجموعة سريّة ذات إيديولوجية متطرفة أن تصيب القوة العظمى الأميركية الوحيدة في عالم ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي في القلب . تلك التفجيرات كانت السبب المباشر الذي ترتب عليه قيام الحملة العسكرية الأميركية على أفغانستان. وكانت الخلفية التي قامت عليها الحرب الأميركية ـ الانجليزية الأخيرة ضد العراق اعتبارا من ربيع عام 2003 ولا تزال مستمرة.

لكن المؤلف يرى في الغزو الأميركي لأفغانستان في عام 2002 النموذج الأكثر تعبيراً عن الحرب غير المتكافئة حيث إن حركة طالبان، المهزومة في المواجهة العسكرية المباشرة مع الولايات المتحدة التي أطاحت بحكمها تستفيد من أوراق رابحة كثيرة لمواجهة القوات الأميركية المتواجدة في أفغانستان وغيرها من قوات الحلف الأطلسي.

إذا كان الأمر كذلك، فإن المؤلف يصل في تحليلاته إلى القول إن هذا النزاع الأخير لم يكن في الواقع سوى أحد خمس حروب قام بها غزاة خارجيون ضد أفغانستان، ويصفها كلها أنها كانت حروب غير متكافئة ، حيث أن قوى صغيرة وقوية واجهت فيها خصما جبّارا، تمثّل ثلاث مرات بجيش العرش البريطاني ومرة بالجيش الأحمر السوفييتي والمرّة الأخيرة، الراهنة، بالجيش ازميركي مرفودا بقوات أطلسية. هكذا تبدو أفغانستان بلادا مستعصية على جميع الغزاة.

إن المؤلف يعود إلى الأراشيف الانجليزية والأميركية والروسية كي يؤكد أن الحرب الانجليزية ـ الأفغانية الأولى قد قامت على خلفية فشل الدبلوماسية وكانت قد تواجهت فيها مجموعات صغيرة استفادت من الأوراق الرابحة التي مثّلتها المعرفة الدقيقة بالمسالك الجبلية الوعرة وبساحة المعركة واتسمت بأنها كانت حرباً غير متكافئة ، حسب التعريف المعتمد حديثاً لهذا المفهوم.

ويصل المؤلف إلى نفس النتيجة من خلال تحليله للحرب البريطانية-الأفغانية الثانية وللأخطاء التي اقترفها الجيش الانجليزي فيها بما يتعلق بالطرق التي استخدمها في مجابهة مجموعات محلية مسلحة. ولا يختلف التحليل الذي يقدّمه عن الحرب البريطانية ـ الأفغانية الثالثة التي يراها دائماً كـ «حرب غير متكافئة» ويكرّس المؤلف قسما من هذا الكتاب لدراسة الغزو السوفييتي لأفغانستان والمواجهات التي لجأت مجموعات المقاومة المحلية إليها ضد قوات الاحتلال السوفييتي .

تلك المقاومة المدعومة إلى حد كبير من قبل الغرب، وخاصة من قبل الولايات المتحدة الأميركية. في ذلك السياق أيضا، كانت الحرب غير متكافئة . وفي جميع الحالات بقي الأفغانيون يمثلون الطرف الضعيف إنما الذي يعرف كيف يستخدم نقاط ضعفه كـ «أوراق رابحة» ضد خصومه الأقوياء. وهذا ما يجد فيه مؤلف هذا الكتاب القاعدة السائدة، وكما ينقل عن مونت ستيوارت الفنستون، أول مفوّض بريطاني في أفغانستان في أوائل القرن التاسع عشر.

ويرى المؤلف أن ذلك كان صحيحاً بالأمس ولا يزال صحيحا اليوم. وبالطبع تشكل العمليات العسكرية الأميركية والأطلسية التي بدأت منذ أوائل عام 2002 أحد المواضيع التي يوليها المؤلف اهتماما خاصا في الكتاب. إنها حرب غير متكافئة أخرى، يخوض المؤلف في أسبابها ونتائجها.

والحقيقة الثابتة التي يؤكد عليها هي أن القوات المسلحة الغربية، الأميركية أساساً، المنخرطة في الحرب الأفغانية قد أدركت مدى قصورها و عدم تأقلمها في مثل هذه الساحة، إذ بعد ما يزيد على الخمس سنوات لم يتم القضاء على العدو المتمثّل في حركة طالبان، بل إن العكس هو الصحيح إذ إنها تعود إلى الساحة بقوة خاصة في منطقة قندهار .

هذا مع التأكيد أنه من المستبعد جدا عودتهم إلى السلطة في الشروط الراهنة التي تمرّ بها أفغانستان. ولكنهم قادرون دائما، كما يتم وصفهم، على قض مضاجع السلطة المركزية ومن يدعمها في أفغانستان.وما يؤكده المؤلف هو أن قوات الحلف الأطلسي تستخدم في أفغانستان آخر ما توصلت إليه التكنولوجيات العسكرية من تقدم على صعيد الأسلحة. وهناك أفضل الدبابات والمدافع والرشاشات من مختلف الأنواع تؤمن قوة نيران أعلى بكثير مما تمتلك عليه الميليشيات المقاتلة تحت لواء حركة طالبان .

كما يتم التأكيد على أن مواقع حلف الأطلسي المتقدّمة الموجودة في الأراضي الأفغانية مربوطة فيما بينها بمنظومات لتبادل المعلومات و الإنذارات بواسطة الأقمار الصناعية. إنها تمتلك باختصار آخر ما توصلت إليه التكنولوجيات العسكرية.

بكل الحالات، تدل التحليلات المقدّمة على أن »التفوق العسكري والتكنولوجي لا يشكل عاملا كافيا من أجل تحقيق الانتصار في الحروب غير المتكافئة . بل ويتم التأكيد على أن السلاح الأكثر مضاء في محاربة التمرّدات ، مثل تلك التي تشهدها أفغانستان يتمثل في التنمية إلى جانب تحقيق الأمن ، لا سيما في حالة بلدان فقيرة، بالطبع تصبح المسألة أكثر تعقيدا إذا كانت محاصيل الأفيون تشكّل أحد مصادر الدخل الأساسية لدى شرائح كبيرة من السكان.

إن الآليات التي تعتمدها المجموعات الصغيرة المنخرطة في الحرب غير المتكافئة كثيرة وليس أقلّها التغلغل في مناطق تواجد قوات الاحتلال واستهدافها بعمليات اعتداء فردية أو جماعية، واللجوء إلى تزويد الخصم بـ «معلومات خاطئة» . والهدف دائما هو واحد ويتمثل في أن تدمّر زوبعة العنف كل شيء حيث تمر لدفع الغزاة إلى الخروج .

الكتاب: النزاع في أفغانستان: دراسات حول حرب غير متكافئة

تأليف: مارتن ايوانس

الناشر: روتلدج لندن2008

الصفحات: 198 صفحة

القطع: المتوسط

Conflict in Afghanistan : studies in asymetric warfare

Martin Ewans

Routledge- London 2008

P.198