«إستراتيجية أوروبية للعولمة» هو آخر عمل لمؤلفه لوران كوهن تانوجي. وقد كتبت مقدّمته السيدة كريستين لاغارد، وزيرة الاقتصاد في فرنسا، ومقدمة ثانية كتبها كزافييه برتران وزير العمل والشؤون الاجتماعية في الحكومة الفرنسية الحالية. هذان الوزيران هما من المقرّبين من الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي.
تتوزع مواد هذا الكتاب بين ثلاثة أقسام رئيسية تحمل العناوين التالية: أوروبا في إطار العولمة: عملية جرد عام و رؤية مستقبلية لسنوات 2008-2010 ، وأخيراً فيما هو أبعد من برشلونة: إستراتيجية أوروبية للعولمة 2010-2015 . وذلك في إطار تحديد أفق عام 2015 لتحقيق خطة أوروبا ـ العالم المشار لها في عنوان الكتاب. إن المؤلف يطرح بداية عددا من الأسئلة التي ينبغي على أوروبا ـ الاتحاد الأوروبي ـ الإجابة عليها في منظور السنوات القادمة.
وعلى رأس قائمة هذه الأسئلة معرفة كيفية إعطاء الدول الأوروبية نفحة جديدة في سياق عالمي يتسم بقدر أكبر من المنافسة وإجمالا من الصعوبة؟ وكيف يمكن لبلدان الاتحاد الأوروبي أن يكون لها وزنها المؤثر على مسرح العلاقات الدولية؟ ثم كيف العمل من أجل تطوير «النموذج ـ الموديل ـ الاجتماعي» الأوروبي مع تحقيق النمو الاقتصادي وزيادة القدرة الشرائية لدى المواطنين الأوروبيين؟ باختصار كيف يمكن لأوروبا أن تحقق ازدهارها »الداخلي« وتعزز دورها الدولي ؟
ولعله من الهام الإشارة إلى أن نشر هذا الكتاب يأتي في شهر يونيو ـ حزيران الماضي، أي قبل تولّي فرنسا رئاسة الاتحاد الأوروبي في بداية الشهر التالي يوليو-تموز، ولا يتردد المؤلف في القول أنه إذا أرادت أوروبا أن تبقى في ميدان السباق كأحد القوى الكبرى التي لها وزنها في تسيرر شؤون العالم، فإنه عليها أن تنتقل إلى السرعة الأعلى .
إنه يصل إلى هذه النتيجة بناء على التحليلات الأوروبية على الصعيدين الافتصادي والاجتماعي خاصة، وأيضا بناء على تحديد الرهانات والتحديات التي تواجهها في سياق العولمة وكذلك في معرفة الفرص المتاحة أمامها. وذلك على أساس أن المراوحة في المكان تمثل نوعا من التراجع على صعيد الواقع العملي، ذلك أن الآخرين يتقدمون مما يزيد من التباعد بين المواقف والمواقع.
ويؤكد لوران كوهن تانوجي منذ البداية أن هذا الكتاب هو ثمرة نقاشات وحوارات استمرت لمدة ستة أشهر بين مجموعة ضمّت 15 خبيرا من مختلف المشارب والاهتمامات، وذلك في إطار عدد من المؤسسات الأوروبية، وفي ست دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي هي ألمانيا وإيطاليا وجمهورية تشيكيا والمملكة المتحدة وسلوفينيا والسويد، بالإضافة إلى فرنسا.
كما يتم التأكيد في هذا السياق إلى أن الهدف منذ البداية كان المساهمة في تنشيط رئاسة فرنسا للاتحاد الأوروبي، وذلك عبر إعداد رؤية منسجمة، إلى أقصى حد ممكن، لإستراتيجية أوروبية تتجاوز ما هو قائم حتى الآن، مع التأكيد على ضرورة السعي من أجل صياغة سياسات أوروبية خارجية مشتركة. مسألة السياسة الخارجية الأوروبية يتم نقاشها كـ «رديف» للسياسة الدفاعية الأوروبية المشتركة.
ويحدد المؤلف أحد الأهداف الأساسية في توجه أوروبا المستقبلي في المحافظة على قدرة التنافس في العالم المعولم . وتكمن أهم النتائج التي يتم التوصل إليها من خلال التحليلات المقدّمة في أن إستراتيجية لشبونة ـ المعدّة عام 2000 ـ لا يمكنها أن تشكل الإجابة الوحيدة التي تقدمها أوروبا على العولمة كما يكتب المؤلف ثم يضيف: إن أوروبا لم تستطع ردم الهوة بينها وبين الولايات المتحدة فحسب، ولكنها قد تجد نفسها مسبوقة خلال العقد القادم من قبل البلدان الآسيوية. لذلك ينبغي عليها أن تزيد من سرعتها.
وبعد أن يحدد المؤلف هدف إستراتيجية برشلونة في أقلمة السوق الداخلي الأوروبي مع مستلزمات العولمة في منظور المحافظة على قدرة المنافسة، يرى أنه ينبغي صياغة إستراتيجية أوروبية للعولمة ، كما جاء في عنوان الكتاب، تتضمّن سياسات اقتصادية خارجية. نقرأ: يتم الحديث غالبا عن بعد خارجي لبرشلونة، هذا في الوقت الذي ينبغي فيه بالأحرى الحديث عن بعد خارجي لإستراتيجية من أجل العولمة . النهوض بالنسبة لأوروبا يتجاوز، برأي المؤلف، الحدود التي جرى رسمها في برشلونة.
الإستراتيجية الأوروبية المقترحة جرى تعميدها باسم أوروبا ـ العالم 2015 . وتتضمن هذه الإستراتيجية مظهرين أساسيين. المظهر الأول يخص إعادة تركيز إستراتيجية لشبونة، على قدرة المنافسة والتجديد مع تزويدها بـ «سلطات متزايدة» وبعدد هام من المنسّقين ، والتأكيد على تعزيز البعد الاجتماعي وتشجيع انتقال العاملين وكذلك التأكيد على مسؤولية كل بلد من البلدان الأعضاء حيال الإستراتيجية العامة المقررة. ذلك أن كل دولة ـ عضو في الاتحاد الأوروبي تحدد أهدافها على حدة ودون تقديم أي حساب للمفوضية الأوروبية أو غيرها من المؤسسات الأوروبية.
ويقول المؤلف: طالما أنه ليس هناك التزام بواجبات لن تكون هناك إمكانية حقيقية لمعرفة ما أعطته إستراتيجية برشلونة . ولا يتردد المؤلف في المطالبة بضرورة إيجاد نوع من لوحة الشرف يتم فيها تسجيل إنجازات مختلف الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، أي المطالبة بالتأكيد على مبدأ المنافسة وإنما في إطار «الانسجام» في المواقف والتوجهات.
المظهر الثاني في الإستراتيجية الأوروبية المقترحة يتمثل في تنشيط السياسات الخارجية المشتركة القائمة حاليا مثل السياسة التجارية المشتركة أو البعد الدولي للسوق الداخلية وللاتحاد الأوروبي أو السياسة الزراعية الأوروبية المشتركة. كما يرى مؤلف هذا الكتاب أن صياغة دبلوماسية أوروبية للطاقة وللبيئة وللتنمية المشتركة، وكذلك سياسة للهجرة إذا أرادت أوروبا أن تبقى ذات قدرة على المنافسة في العالم «المعولم».
وكتاب يؤكد مؤلف في المحصّلة أن لأوروبا مسؤولية كونية في عالم مهدد بالفوضى ، ويرى أنه بمقدور أوروبا، على خلفية تاريخها، وإذا استطاعت النهوض وتقوية موقعها على رقعة الشطرنج الدولي أن تلعب دور قوة التوازن بين القوة العظمى الأميركية والقوى الصاعدة خاصة الصين والهند في آسيا.
التأقلم مع العولمة
هذا الكتاب في الأصل هو تقرير أشرف المؤلف على إعداده وسلّمه للوزيرين الفرنسيين، كاتبي المقدّمتين، حول محصّلة عملية أقلمة ـ تكييف ـ الاتحاد الأوروبي مع العولمة واقتراح مجموعة من التوجهات في منظور المستقبل ومن أجل صياغة سياسات أوروبية متناسقة للتحرّك الأوروبي.
المؤلف في سطور
يعمل لوران كوهن ـ تانوجي، مؤلف هذا الكتاب، محاميا دوليا، وهو أحد الأعضاء المؤسسين لـ «معهد أوروبا » الذي يترأسه جاك دولور، المفوّض الأوروبي السابق. ومن المعروف عن المؤلف أنه أحد الأخصائيين المعترف بهم عالميا على صعيد الشؤون الأوروبية والعلاقات الأوروبية الأطلسية.
قدّم المؤلف مجموعة من الكتب من بينها: القانون دون الدولة و أوروبا في خطر و القرن الحادي والعشرون الجديد و دروب الحريّة: أوروبا وأميركا على عتبة القرن الحادي والعشرين و الصدمة المقابلة: الغرب في فترة ما بعد الحرب الباردة 1992-2005 و خيار أوروبا ، الخ.
الكتاب: إستراتيجية أوروبية للعولمة: أوروبا-العالم 2015
تأليف: لوران كوهن تانوجي
الناشر: اوديل جاكوب - باريس 2008
الصفحات: 331 صفحة
القطع: المتوسط
Une stratégie européenne pour la mondialisation : Euromonde 2015
Laurent Cohen Tanugi
Odile Jacob-Paris 2008
P.331
