تؤكد جيرمين تيليون أنها التقت بـ «يوسف سعدي» الذي كان يترأس مجموعة للقيام بعمليات ضد الجيش الفرنسي. وتشير إلى أن أحاديثها معه دفعتها إلى الاقتناع التام بوجود إمكانيات للتفاوض. «معارك الحرب والسلام» كتاب يجمع عددا من النصوص التي كانت جيرمين تيليون قد كتبتها على مدى نصف قرن تقريبا وهو يضم ثلاث مجموعات من النصوص الأساسية لها التي تخص معاركها.
المجموعة الأولى تشمل مساهمات كانت قد قدّمتها حيال العديد من القضايا العامة ما بين عام 1941 وعام 2000. والمجموعة الثانية تضم تحليلات المؤلفة حول الأوضاع التي عاشتها الجزائر خلال الحقبة الاستعمارية، خاصة الفترة التي سبقت اندلاع ثورة التحرير عام 1954. وكانت جيرمين تيليون قد نشرت النسخة الأولى من تحليلها للأوضاع في الجزائر عام 1957 ثم أكملت ذلك التحليل في عام 1999. أما المجموعة الثالثة من النصوص فهي مكرسة أيضا للجزائر وإنما من زاوية ما شهدته حرب التحرير الجزائرية بين الأعداء المتكاملين. وكانت النسخة الأولى قد رأت النور عام 1960 ثم لم تتوقف المؤلفة عن إعادة النظر فيها حتى عام 1998. وهذا ما يجعل من هذا الكتاب نسخة جديدة ومتجددة انطلاقاً من أصل قديم.
وتتحدث المؤلفة عن علاقاتها الأولى مع الجزائر ابتداء من عام 1934 عندما كانت قد أنهت دراساتها في علم الأجناس وتوجهت إلى منطقة الأوراس حيث عاشت بـ «غبطة كبيرة مع مجموعة من القرويين المسلمين»، حسب قولها. وتؤكد أنها منذ فترة أولى في حياتها، بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية واحتلال النازيين لفرنسا، وجدت نفسها منخرطة في المقاومة ودفاعا عن الحرية. الدفاع عن الحرية كان معركتها الحقيقية الأولى، كما تقول. ولم تتوقف في كتاباتها عن تأييد حق الجزائريين بحياة حرّة وكريمة.
إنها تصف أيضا فترة التحضير للحرب العالمية الثانية في فرنسا حيث كان قد جرى تعيين المارشال بيتان رئيسا للوزراء بالموافقة الجماعية للرؤساء الذين كانوا على رأس الدولة في فرنسا آنذاك أي رئيس الجمهورية ورئيسي مجلسي الشيوخ والجمعية الوطنية الفرنسية. وتشير جيرمين تيليون أن السيارات آنذاك لم تكن تحتوي على أجهزة لإذاعة الأخبار، لكن سكان المساكن القريبة من الطرق كانوا يفتحون أبوابهم من أجل أن يكون المارّة وراكبوا السيارات التي تبطئ سيرها على علم بما كان يجري. ويشكل الكتاب بأحد وجوهه إعادة للقراءة في صفحات الحرب العالمية الثانية وخاصة في دروس المقاومة.
كانت مقاومة الاحتلال، كما يتم وصفها، هي خيار يحتاج إلى وقت للتفكير والتأمل في المناطق الحرّة ، أي التي كانت خاضعة لحكومة فيشي، أما في المناطق المحتلّة فقد كانت التعبئة عامة وأولئك الذين لم يكونوا في السجون تفرّقوا في الطبيعة.
وتحدد المؤلفة ثلاثة واجبات وجدت شبكات المقاومة نفسها ملتزمة بها وهي تنظيم عمليات الهرب، والقيام بعملية إعلام الفرنسيين الواقعين تحت نير صحافة وإذاعة كانتا خاضعتين تماما للاحتلال النازي بما يجري، ودعم الانجليز الذين كانوا، قبل نزول الجنود الأميركيين في شمال إفريقيا، هم الذين يدعمون وحدهم معركة المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال . وفي الجزائر وجدت أن الحاكم الفرنسي هو جاك سوستيل، زميل الدراسة السابق.
وقد قدّمت له تحليلا شديد التشاؤم عن الأوضاع التي وجدتها في الأوراس. واقترح عليها وظيفة سمحت لها بإنشاء عدد من المراكز الاجتماعية بهدف تحسين مستوى معيشة الأسر والعمل على تأمين تعليم البنين والبنات. كانت التجربة ناجحة ولكن المشهد العام في الجزائر كان يدعو للتشاؤم أكثر. ولم يكن في ذلك ما يثير الدهشة فالميل العام في إفريقيا كلها كان يسير باتجاه البؤس.
وتشير المؤلفة أيضا إلى أن النساء كنّ هن اللواتي دفعن الثمن الأكبر. وتكتسب تحليلاتها حول هذا الموضوع أهمية وثائقية في التأريخ لتلك الحقبة. وفي مثل ذلك السياق وصل إلى علم جيرمين تيليون أن اللجوء إلى التعذيب أصبح ممارسة شائعة في الجزائر ضد ثوار جبهة التحرير. و اعتباراً منذئذ كان السقوط ، كما تقول. وكان هناك من طالب غي موليه رئيس وزراء فرنسا آنذاك أن تقوم اللجنة الدولية للتقصّي حول جرائم الستالينية بالتفتيش حيال ما يجري في الجزائر.
وما تؤكدّه جيرمين تيليون هو إدراكها آنذاك أن المسؤولين السياسيين الفرنسيين الذين كانوا على رأس السلطة لم يكونوا يعرفون حقيقة المسألة الجزائرية. وقامت اللجنة المؤلّفة من هولندي وبلجيكي ونرويجي واثنين من الفرنسيين بزيارة الجزائر في شهر يونيو من عام 1957.
كانت المؤلفة برفقتهم حيث وجدت العديد ممن تعرفهم من الجزائريين في السجون والمعتقلات وفهمت أن الجنود الفرنسيين الذين كان قد جرى استقدامهم من الهند الصينية بعد الهزيمة في معركة ديان بيان فو لم يكن لديهم الوقت الكافي للاستماع إلى الشعب الجزائري واكتفوا بما كان يصلهم من تقارير لم تكن تعكس حقيقة الأوضاع هناك.وتؤكد جيرمين تيليون أنها التقت بـ «يوسف سعدي» الذي كان يترأس مجموعة للقيام بعمليات ضد الجيش الفرنسي.
وتشير إلى أن أحاديثها معه دفعتها إلى القناعة الكاملة إلى وجود إمكانيات للتفاوض.
لكن عمليات القتل التي كان يقوم بها الجيش الفرنسي شكّلت عائقا حقيقيا أمام ذلك. لم تكن تملك أمام ذلك الوضع سوى أن تسير بلا هدف في الشوارع وهي تذرف الدموع. ذلك بعد أن كانت قوات الجنرال ماسو قد اعتقلت الجزائريين الذين فتحت حوارا معهم.
المؤلفة في سطور
جيرمين تيليون من مواليد عام 1907، وعاشت قرنا كاملا. كانت أحد أكثر الكتاب الفرنسيين شهرة خلال القرن العشرين. قادتها دراستها لعلم الأجناس إلى جبال الأوراس الجزائرية حيث أمضت سنوات عديدة من عمرها. شغلت وظيفة مديرة للدراسات في المدرسة العليا الفرنسية للدراسات الاجتماعية وأنجزت عدة مهمات علمية في مختلف أنحاء العالم وقدّمت للمكتبة الفرنسية والعالمية العديد من الكتب.
وكانت قد عاشت لفترة أسيرة المعتقلات النازية حيث كانت على رأس شبكة للمقاومة. والمؤلفة معروفة بعدائها الشديد لممارسات التعذيب الاستعماري في الجزائر. ومن بين كتبها: الأعداء المتكاملون و إفريقيا تنحو باتجاه المستقبل و الحريم وأبناء العمومة والبحث عن الحقيقة والعدالة و رافنسبروك عن تجربتها في المعتقل.
الكتاب: معارك الحرب والسلام
تأليف: جيرمين تيليون
الناشر: سويل - باريس 2008
الصفحات: 822 صفحة
القطع: المتوسط
Combats de guerre et de paix
Germaine Tillon
Seuil-Paris 2008
P.822

