«ضد السعادة» هو عنوان كتاب صغير الحجم عرفته مؤخرا رفوف المكتبات الأميركية، وهذا له تتمة تقول: في مديح الكآبة كعنوان فرعي.

الفكرة الأساسية التي ينطلق منها المؤلف أريك ج. ويلسون هي أن الأميركيين يتفاخرون بكونهم من أكثر شعوب الأرض سعادة. لكنه يؤكد بسرعة أن هذه السعادة المعلنة ليست سوى واجهة تخفي وراءها حالة أخرى. نقرأ: يختبئ الكثير وراء ابتسامتهم ذلك أنهم يخافون من مواجهة العالم بكل تعقيداته وبما يحتويه من عدم الدقة ومن أشكال الجهل الرهيبة فيه. ويشير المؤلف إلى وجود عدد كبير من الكتب التي جعلت »السعادة« موضوعاً لها وهي من نوع: كيف تكون سعيداً«؟ والمؤلفون هم غالبا من الفلاسفة أو من علماء النفس الذين يدعون قارئيهم للاسترخاء على أريكته كي يلجون دروب بلوغ السعادة وتحت عناوين مثل السعادة الحقيقية و استخدام علم النفس الجديد من أجل السعادة و فن السعادة: الدليل المرافق من أجل العيش .

وما تؤكده استطلاعات رأي كثيرة أن الجيل الأميركي الحالي هو الأكثر إيمانا بقدرة التحوّل التي يمنحها الفكر الإيجابي. هذا على الرغم أن هذه الاستطلاعات نفسها تدل على أن أربعة أميركيين من أصل كل عشرة يعتبرون أن مستوى معيشتهم ينخفض وما يزيد عن ثلاثة أرباع الأميركيين يرون أن الوضع الاقتصادي للبلاد يتردّى أكثر فأكثر. هذا كله لا يمنع واقع أن 85 بالمائة من الأميركيين يعتقدون أنهم سعداء أو سعداء جداً ، كما يذكر المؤلف مؤكدا على تعلّق الأميركيين بالسعادة.

إن المؤلف يوجّه على مدى صفحات هذا الكتاب نقده الشديد حيال ذلك الخنوع و الصورة الخادعة لحالة السعادة التي يعيشها الأميركيون وهم يوزعون إحساسهم بالرضى حيال كل ما يحيط بهم فكل الأيام جميلة وكل المناظر خلاّبة وكل البشر رائعين . لكن الواقع شيء آخر، كما يشرح المؤلف من خلال مذكرات السجن التي كتبها أحد أولئك الذين سمح لهم نظام الاستدانة الأميركي بالحصول على قروض بأسعار فائدة كبيرة وتصاعدية بحيث أنه لم يستطع سدادها في الآجال المحددة مما فتح أمامه أبواب السجن.

ولا يتردد المؤلف في أن يواجه فلسفة التفاؤل السائدة لدى الأميركيين بفلسفة معارضة السعادة أو السعادة المضادة ، على غرار الثورة المضادة . وهو يؤكد أن نزعة الكآبة تشكل أحد السمات الضرورية لأية ثقافة تكون في حالة ازدهار. فمثل هذه النزعة هي التي أنتجت أعظم الأعمال في ميادين الأدب والرسم والموسيقى، بل وكانت أحد البواعث الأساسية وراء التجديد. ثم إنها كانت إحدى السمات التي تميّزت بها شخصية رجال كبار من أمثال الرسام فرنسيسكو غويا والأديب مارسيل بروست والسياسي العظيم ابراهام لنكولن.

تجدر الملاحظة إلى أنه إذا كان اريك ج. ويلسون يؤكد على الجانب الخلاّق في نزعة الكآبة بالنسبة لأي نشاط إبداعي له علاقة بـ «الحقيقة والجمال والفن» ، فإنه بالمقابل لا يرسم صورة مثالية لحالة الكآبة المرَضية التي تستوجب العلاج. هذا مع ملاحظته تعميم ظاهرة اللجوء إلى العقاقير المضادة للكآبة والمساعدة على رفع المعنويات لدى الأميركيين.

وتتميز إحدى الأفكار الأساسية التي تتردد في تحليلات هذا الكتاب بالتأكيد على أن مفهوم السعادة نفسه قد أصبح مؤطّرا ببعض المعايير والمقاييس التي يغدو الاقتراب منها اقتراباً أيضاً من السعادة. وهذا ما تعبّر عنه جيدا الجملة التالية: حيثما أجول بنظري أرى دعايات تعرض تقديم المزيد من السعادة، السعادة على الأرض أو في البحر، وفي السيارة أو تحت قبّة السماء.

ويبدو أكثر من أي وقت مضى أن عصرا من السرور شبه الكامل قد حلّ مع عالم يؤمّن أكبر قدر من الحظوظ للبشر ومن الفرح التي لا تشوبها مشكلة. ومن السعادة دون عناء . ويضيف أن هذه المبالغة في السعادة على حساب الحزن لا تنتج سوى التطابق مع المعايير المحددة للسعادة والتي قد لا تكون سوى وهم السعادة . أما الإحساس بالكآبة فإن المؤلف لا يرى فيه أذيّة أو شذوذا أو ضعفا وإنما بالأحرى نداء إلى داخل الأعماق إلى ذلك المرجل الذي يغلي ليقدّم حلولا جديدة . وبهذا المعنى بالتحديد يتحدث عن مديح الكآبة .

ولا ينسى المؤلف أن يحذر من خطورة ذلك الإحساس المفرط بالسعادة الذي قد يعمي عن رؤية الحقيقة. ولا يتردد أن يحمّل مثل هذا الإحساس مسؤولية نشوب حرب مدمّرة مثل الحرب الأخيرة ضد العراق والتي تتزايد أعداد أولئك الذين يقفون ضدها بين الأميركيين، كما تدل استطلاعات رأي عديدة يشير المؤلف لها.

ونقرأ له تساؤله: أليست سعادة أمتنا، وإحساسها المبتذل بالرضى عن النفس، وسرورها البليد مسؤولون جزئيا على الأقل عن نشوب حرب منذ فترة وجيزة ما كان ينبغي لها أن تقوم؟ إنها الحرب الأميركية ـ الانجليزية الأخيرة ضد العراق والتي يرى بها المؤلف بصورة ما نتاجاً للسعادة كما تتم صناعتها في الولايات المتحدة الأميركية ويتحدث عن هذه الصناعة على غرار الحديث عن الملابس التي تحمل إشارة صُنع في الصين .

وتتمثل السمات الأساسية التي يرسمها المؤلف لأميركا اليوم أنها أرض اليوتوبيات . وإنها نوع من الأرض الموعودة بالسعادة وأنما التي تحوّلت سريعا إلى مجمّع تجاري يبحث الأميركي النموذجي فيه عن السعادة عبر الاستهلاك، أوّلا وأساساً. ومقابل هذا كله يؤكد اريك ويلسون القول: إن المأساة الكبرى هي العيش دون أية مأساة . وهذا ما قصده المؤلف تقريبا بالمعنى اليوناني القديم لمفهوم المأساة التي تغني وتصقل الروح والتي يميّزها بقوة عن التأزم النفسي الذي يتطلب علاجا طبيا.

المؤلف في سطور

يعمل اريك ج. ويلسون، مؤلف هذا الكتاب، أستاذا ورئيسا لقسم الأدب الانجليزي في جامعة دوك فوريست في ونستون ساليم بولاية كارولينا. وهو مهتم خاصة بمشربين أساسيين ركّز عليهما أبحاثه هما الأدب وعلم النفس. من كتبه الشكل البشري للكآبة: حول بسيكولوجية الآلات المقدّسة و التاريخ الروحاني للرومانسية والعلوم والمخيلة و أسرار السينما و عالم دافيد لينش الغريب ، الخ.

السعادة الموعودة

تتمثل السمات الأساسية التي يرسمها المؤلف للأميركيين اليوم أنها أرض اليوتوبيات . وإنها نوع من الأرض الموعودة بالسعادة وإنما التي تحوّلت سريعا إلى مجمّع تجاري يبحث الأميركي النموذجي فيه عن السعادة عبر الاستهلاك، أوّلا وأساسا.

الكتاب: ضد السعادة: وفي مديح الكآبة

تأليف: اريك ج. ويلسون

الناشر: فارار وشتراوس وجيرو - نيويورك 2008

الصفحات: 176 صفحة

القطع: المتوسط

Against happiness : in praise of melancholy

Eric G. Wilson

Farrar, Strauss and Giraud ـ NewYork 2008

P.176