«آثار جراح الأمم» كتاب يحمل العنوان الفرعي التالي الذي يلقي الكثير من الضوء على مضمونه. يقول هذا العنوان الفرعي: أوروبا مريضة بحدودها.

لكن المؤلفة تستدرك منذ السطور الأولى في كتابها قائلة: هذا ليس كتابا آخر عن الحدود، وليس كتابا لباحث في الجغرافيا وليس كتابا لمؤرخ ولا يسعى إلى البحث في العواقب المترتبة على النزاعات والحروب التي لا يمكن فصلها عن فكرة الحدود ذاتها. هذه دراسة أنتجها واقع معاش وتأملات وتساؤلات مواطن من زمننا حول أحد المفاهيم التي تسيطر على حقبتنا .وما تضيفه المؤلفة من تساؤلات يلقي الضوء أكثر على المحتوى الذي تناقشه مع التأكيد على أن ما يهمها هو الحدود التي تقيم جدرانا بداخلنا .

إنها تتساءل: كيف تصيغ هذه الحدود حياتنا؟ وكيف يستطيع هذا المفهوم أن يتجذر في أعماقنا؟ وكيف يصل البشر إلى حد الموت دفاعا عن حدود بلدانهم؟ وأسئلة أخرى من هذا النوع. تتوزع مواد هذا الكتاب بين أربعة أقسام رئيسية، يحمل القسم الأول العنوان التالي: أوروبا التي تريد التخلّص من الحدود ويحتوي على ثلاثة فصول تبحث في حدود أوروبا وذلك من منظور مثلث على أساس البحث عن الوحدة والبحث عن الهوية والبحث عن السلام والاستقرار.

وفصل آخر عن تجاوز الحدود عبر التوسيع بحيث يمكن لهذا التوسيع أن يكون أداة للسياسة الخارجية وأداة للاستقرار وأداة للازدهار الاقتصادي . ويحمل الفصل الثالث عنوان: شنغن أو إلغاء الحدود الداخلية . والقسم الثاني مكرّس لدراسة أوروبا وحاجة الحدود ، وذلك من خلال البحث في ضرورة الحدود الخارجية و حاجة الحدود المتعددة« وفصل كامل عن كوسوفو أو عودة ظهور الحدود داخل إطار الدول وما بين الاثنيات .

القسم الثالث يخص أوروبا وجيرانها: أين مرّت الحدود ؟ بحيث يتم التعرض لحالتين محددتين هما روسيا أو الإمبراطورية المنكمشة على ذاتها و تركيا المترددة ثم البحث فيما تصفه المؤلفة بـ «الجيران القلقين »، وهي تعني بهؤلاء أساسا الجمهوريات السوفييتية السابقة وعلى رأسها بيلوروسيا وجيورجيا واوكرانيا ومولدافيا وارمينيا وازربيجان، وهي تطلق عليهم تسمية الـ «بين بين».

ويتألف القسم الرابع والأخير من الكتاب من فصلين يحمل الأول منهما عنوان: الحدود أو الحاجة إلى سياسات جوار حقيقية و الحدود كشرط لقيام سياسة خارجية. وتصل المؤلفة في نتيجة تحليلاتها إلى القول إنه ينبغي على أوروبا أن تقيم حدودا خارجية وداخلية وبكل الحالات حدود معيّنة ويمكن السيطرة عليها بشرط أن تكون منفتحة وليست مغلقة.

وتركز المؤلفة في تحليلاتها على دور الحدود في التاريخ الأوروبي، بل وأبعد منه في التاريخ العالمي. وتبيّن أن فكرة الحدود نفسها تعود إلى الأزمنة القديمة وقد عنت باستمرار »الفصل«. هكذا كان اليونانيون القدماء قد أطلقوا صفة »البرابرة« على كل من هم ليسوا يونانيين وخلقوا بذلك »مجتمعهم المغلق«. هذا قبل أن تقوم الدول داخل حدودها. كانت هناك أشكال متنوعة لـ «الانكفاء حول الذات » باسم ثقافة أو لغة أو حضارة أو اثنية ولكن لم تكن هناك دول قبل أن تكون هناك حدود. ثم إن الحدود هي المفتاح الأساسي لقيام الدول حيث إنها تؤمن انسجامها و تربط مختلف الأجزاء في إطار جغرافي محدد.

تتم الإشارة في هذا السياق إلى أن كلمة الحدود ذاتها مشتقة من كلمة جبهة باللغة اللاتينية وحيث تلتقي القوات المتحاربة في ساحة الوغى. ثم إن هذه الجبهات-الحدود قابلة للتبدّل تاريخياً بحيث أنها تعكس موازين القوة المتحركة بين كيانين متمايزين. وعندما تستقر الحدود تدريجيا تغدو الخط الفاصل المعترف به بين دولتين تتمتعان بالسيادة. ثم تأتي المنظومات القانونية كي تثبت ذلك بحيث يصبح خرق الحد الفاصل، الحدودي، بمثابة مساس بالسيادة، مما قد يعني إعلان الحرب.

وترى المؤلفة أن قيام العالم الحديث كان مرتبطاً بتكريس الكيانات الوطنية داخل حدود. واتسع مفهوم الحدود مع قيام الإمبراطوريات بحيث أنها أصبحت تؤمّن حماية الحضارة التي تمثلها تلك الإمبراطوريات. وبهذا المعنى اعتبر الرومان، على غرار اليونانيين القدماء، أن حدود الإمبراطورية الرومانية هي أرض محمية بحدود تفصلها عن البرابرة ، والذين كانوا يمثلون أولئك الغرباء الهائمين في مساحات شاسعة غير محددة من الأرض.

ومثل تلك الشعوب غير المؤطّرة بحدود هي تلك التي قادها جنكيز خان وتيمورلنك ذات فترة لـ «تعيث» في الأرض فسادا وتخريبا في منظور الشعوب المتحضّرة القديمة.

المؤلفة في سطور

سالومي زورابشفيلي، مؤلفة هذا الكتاب، تحمل الجنسية المزدوجة الفرنسية والجورجية. وهكذا عملت كدبلوماسية فرنسية من جهة، ولكنها كانت وزيرة لخارجية جيورجيا ما بين شهر مارس 2004 وأكتوبر 2005. تعيش المؤلفة اليوم بين العاصمة الفرنسية باريس والعاصمة الجورجية تبليسي. كانت قد أنجزت في عام 2006 كتابا أصدرته دار نشر غراسيه الفرنسية تحت عنوان: امرأة وبلدان .

ترجمة متطرفة

إن المخاطر التي ترتبت على مفاهيم الحدود والسيادة والمطامع بـ «أرض» الآخرين وجدت ترجمتها «المتطرفة» في القارة الأوروبية خلال القرن العشرين من خلال حربين عالميتين انطلقتا من أراضيها بسبب «خرق حدود» أو «ضمّ أراضٍ». وكانت منظمة الأمم المتحدة ذاتها قد قامت بعدهما على أساس احترام سيادة الدول داخل حدودها.

الكتاب: آثار جراح الأمم

تأليف: سالومي زورابشفيلي

الناشر: بوران باريس 2008

الصفحات: 138 صفحة

القطع: المتوسط

Les cicatrices des nations

Salomé Zourabichvili

BourinParis 2008

P.138