يجمع النقاد على أن الكاتب البريطاني المقيم في نيويورك منذ وقت طويل باتريك ماكجراث قد قدم في روايته السابعة الصادرة مؤخرا بعنوان «صدمة» عمله الأكثر قدرة على اجتذاب القراء والذي يرتقي فيه إلى الذروة بقدرته على الغوص في أعماق النفس البشرية.
في هذه الرواية التي تقع أحداثها في نيويورك السبعينيات يلتقي القارئ مع عائلة الطبيب النفسي تشارلي وير، وهي عائلة متداعية على نحو يمكن تفهمه، فالأب قد تخلى عن عائلته، والأمر نرى في ذلك خيانة لها فتشارف على الانهيار، أو هي تصل إلى تخوفه بالفعل، والأخ، والت، الفنان الناجح يبدو خصماً لتشارلي بأكثر مما هو حليف له. هكذا فليس مدهشاً أن يجد تشارلي في العمل طبيباً نفسياً في نيويورك وظيفة يتحمس لها، فهو يقوم بعلاج قدامي المحاربين المصابين بالصدمات والعائدين من فيتنام. وسرعان ما يتزوج من أجنس ما جيل وهي شقيقة أحد هؤلاء الجنود الذين يتولى علاجهم. ولكن انتحار هذا الآخر، داني، ينهي زواجهما، ويترك تشارلي للوحدة التي تتآكل روحه.
فيما مانهاتن تزداد قذارة وخطورة حوله. غير أنه في أعقاب موت أم تشارلي تعيد إليه أجنس العزاء الذي لم يستطع هو أن يكفله لها قط. وفي الوقت نفسه يقدم إليه مسكن من نوع آخر، في صورة امرأة متقلبة تهدد بجمالها الذي لا يقاوم والمختلط بمناخ من المعاناة الحزينة كل شيء علق عليه الآمال في استعادة ثقته بنفسه وبمستقبله.
ومع ضعف قبضة تشارلي على العقل، وتآمر الأحداث على دفعه للتردي في الهاوية، فإن موضوعات العائلة والعاطفة والجنون ـ التي غدت مرادفة في أذهان القراء لكتابات باتريك ماكجراث ـ تتخذ عن حق أبعاد «حتمية الأسطورة» على نحو ما يقول الروائي الأميركي توبياس وولف عن أعمال ماجراث: أعمال روائية تتميز بعمق وقوة لم نعد نأمل أن نصادفهما بعد الآن. بهذا المعنى فإن القارئ لرواية «صدمة» يجد نفسه على موعد مع رواية إثارة نفسية تطل به على تجربة تهز الأعصاب هذا وتثير القلق وتدفع إلى إعادة النظر في كل ما هو مسلم به.
وقد يعود جانب لا يستهان به من نجاح المؤلف في تحقيق ذلك إلى قدرته على التلاعب في حنكة واقتدار بتوقعات القراء، وهو يسرد قصة تشارلي وير الذي ساعدته مهاراته المكتسبة من حياة بالغة التعقيد على التعامل مع مرضاه من قدامى المحاربين في فيتنام. وبينما يبدو جميع من يعرفهم تشارلي معرضين للدوران خارجين من مدار حياتهم، فإنه هو نفسه تحيط به هالة من الهدوء والثقة بالنفس والقدرة على التحكم في ظروفه، وذلك على الرغم من عجزه عن التواصل عاطفياً مع النساء في حياته، ونتابعه وهو يعود بذاكرته بصورة متتابعة إلى انتحار شقيق زوجته، الذي كان أحد مرضاه كذلك.
ولا تفوتنا الدقة البالغة التي يدفع بها ماكجراث أحداث الرواية إلى ذروتها، حيث يتكشف تشارلي نفسه مفصحاً عن صدمة شخصية منسية وغائرة في ماضيه، هي نفسها التي جعلته راوية لا يمكن الاعتماد عليه. وعلى الرغم من الاقتدار الذي لا موضع للشك فيه الذي يصيغ به ماجراث روايته السابعة، إلا أنها لا تخلو من عيوب أيضاً ترصدها عين القارئ عبر التدقيق في مسار العمل وإطاره الكلي. أبرز هذه العيوب هو التعجل في حسم مرحلة وصول الرواية إلى ذروتها، وهو عيب كان يمكن تلافيه بسهولة من جانب روائي يتمتع بالخبرة الكبيرة التي يحظى بها ماكجراث.
ويتبدى لنا عيب آخر في أنه على الرغم من الجهود الكبيرة التي بذلها الروائي البريطاني لإعطاء قصة تشارلي الطابع الكلي والشامل لرواية إثارة نفسية، إلا أنها تظل القصة التي تطارد الأذهان لرجل في قبضة محنة روحية مؤلمة. وعلى الرغم من هذه العيوب الفنية، إلا أن النقاد والقراء قد توقفوا طويلاً عند هذه الرواية ذات الصياغة البديعة، والتي لم يطل عمل مناظر لها منذ وقت ليس بالقصير.
ها هي ستيفاني زاكيرك تكتب في صحيفة «لوس انجلوس تايمز» قائلة عن هذه الرواية إنها: مليئة باللمسات الحساسة والنابعة من الملاحظة الجيدة ومتألقة حيث يتعين أن تكون كذلك.. ورواية ماكجراث تجعلنا ندرك أن أذهاننا هي أكثر الدور امتلاء بالأشباح. ويكتب مايكل ديردا، بالمثل، في صحيفة «واشنطن بوست» قائلاً: استعبدني تماما ذلك الصوت المنوم والعاقل والحزين للمعالج النفسي دكتور تشارلز وير.. ورواية ماكجراث ذات الصياغة والإيقاع الجميلين يمكن النظر إليها على أنها إما رواية إثارة نفسية رائعة أو استحضار متمكن للاغتراب واليأس المعاصرين.. وهي باختصار عمل أدبي مسل ورائع .
وتشير فرانسين بروز في مقال مطول لها عن الرواية في مجلة «أوبرا» إلى أن هذه الرواية تقدم لنا ماكجراث عند أفضل مستويات إبداعه، والقارئ ما أن يقرأ جملة واحدة أو صفحة واحدة من هذه الرواية حتى يجد نفسه وقد انطلق لاستكمالها حتى النهاية.وتقول مجلة «ببلشرز ويكلي» المتخصصة عن هذا العمل إنه«رواية لا تفارق الذاكرة عن رجل يقع في قبضة اضطراب روحي هائل، صيغت على نحو مؤلم وجميل في آن».
وتشير مجلة «لايبرري جورنال» المتخصصة أيضاً إلى أن هذا الكتاب يستقطب الإعجاب بأكثر مما يدعو القراء إلى معانقته والتمسك به. والتطوير الذي لا يعرف أنصاف الحلول لمقدميه الأولوية يتم المضي به قدما بمهارة باردة تضاهي المهارة المهنية التي يتمتع بها بطل العمل المغترب. أما مجلة «كيركوس» فإنها تخرج برأي مختلف تماماً، حيث تشير إلى أن هذه الرواية على الرغم من أنها كتبت بلماحية وبراعة بالغتين، إلا أنها ليست أفضل جهود ماكجراث ولا أكثرها قدرة على اجتذاب القراء.
في تلك الأيام
أصيبت أمي بالاكتئاب للمرة الأولى عندما كنت في السابعة من عمري، وحسبت بأن ذلك كان خطأ من جانبي. وشعرت بأنني كان ينبغي أن أحول دون حدوثه. وكان ذلك قبل حوالي عام من ترك أبي لنا. كان اسمه فريد وير.
كان بإمكانه في تلك الأيام أن يكون كريما، مسلياً وصريحا ـ يلعب أخي« والت» هذا الدور في بعض الأحيان كنت اصطنع البلاهة، أو أتظاهر بأنني طفل لا يعي من الأمر شيئاً، وابعد انتباهه عن موجة الضجر والإحباط المتفاقمة التي لابد أنه كان يحس بها حيال وقوعه في الفخ داخل المناخ المنزلي الخانق، الذي كانت أمي تحب إيجاده. وفي وقت لاحق عندما بدأت تأليف الكتب، لم توجد مناخاً على الإطلاق، بخلاف التهجم الهادئ والكآبة والعكوف على الشراب بصورة مفرطة، ولكن في ذلك الوقت كان أبي قد هجرنا منذ وقت طويل.
مقتطف من رواية «صدمة»
الكتاب: صدمة
تأليف: باتريك ماكجراث
الناشر: نوف نيويورك 2008
الصفحات: 209 صفحات
القطع: المتوسط
Trauma
Patrick Mcgrath
Knoph,N.Y. 2008
P.209

