يسلط الكاتب محمد عادل شريح في كتابة الاسس البنيوية لفكر الحداثة الغربية الضوء على اسس الفكر الغربي الذي يقوم على الترويج للفردية مقابل التنديد بالتابعين الجبناء الذين ينتمون إلى رهبان العصور الوسطى. أُطلق اسم الانسانويين بداية على الشريحة المثقفة في عصر النهضة لولعها بالثقافة اليونانية والرومانية الوثنية وكانوا يسمون دراسة الثقافة القديمة بالانسانويات.
وكانت فكرا انقلابيا ثوريا على الفكر المسيحي الموروث من القرون الوسطى. رفض الإنسانيون فلسفة أرسطو المعتمد من قبل الكنيسة وفضلوا عليه أفلاطون. وتمثل أدبهم في عصر النهضة الانسانوي في أعلام مثل بيترارك وبوكاتشيو ورابلييه ومكيافيلي الذي اقتصر على السخرية من رجال الدين. والأديب الوحيد الذي تحسر على ضياع الأخلاق القديمة كان ميغيل دي سرفانتس من خلال بطله المعروف دون كيخوته. العقلانية هي الركيزة الثانية للفكر الغربي الحديث فإذا كانت الإنسانية هي الدين الجديد فان العقلانية هي كنيسة هذا الدين المقدسة وقد أرسى مبادئه الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت وتطور مع سبينوزا وليبنتز ثم مع كانط وهيغل.
لقد قلب ديكارت المعادلة العرفية وغيّر ترتيب بعد أن كانت المعرفة سابقا هي ارتقاء النفس الإنسانية نحو مبدئها والمعتمدة على الأنا المفكرة التي قال بها ديكارت في مقولته (أنا أفكر إذا أنا موجود) الانقلابية، وقد قادت العقلانية الحديثة إلى نتائج أهمها هي رد المعرفة الإنسانية وحصرها في المعرفة العقلية أما المعرفة الكشفية والمعرفة النبوية فصارتا من مخلفات المعتقدات الأسطورية القديمة.
الركيزة الثالثة هي «الطبيعية» التي استندت إلى مجموعة من الاكتشافات العلمية لعلماء مثل (نيوتن. كوبرنيكوس. كبلر. غاليلو) أهمها التلسكوب والتي ألغت العالم القديم (عالم ما فوق فلك القمر. عالم ما تحت فلك القمر) وأفضت إلى نتائج فلسفية أهمها إلغاء عالم ما وراء الطبيعية واعتبار الكون امتدادا لانهائيا.لكن ديكارت استثنى الإله والإنسان من قانون الامتداد (لأن المادة بحاجة إلى دفعة حركية أولى) وهو ما دفع باسكال إلى اتهامه بمحاباة الكنسية والتملق لها.
التأليه الطبيعي هو الركيزة الرابعة للفكر الحداثي وهو ضد التأليه الديني ويقرّ بوجود إله وخالق للكون لكنه ينكر تدخله في شؤون الحياة الطبيعية أو الإنسانية وينكر الوحي والديانات كافة. وتعتبر هذه النظرية أن الله قام باختراع آلة هذا العالم كما يصنع الحرفي الماهر الساعة لكي تدور إلى الأبد طبقا لقوانين المستر نيوتن نبي الحداثة الأكبر! واشتهرت آراء التأليه الطبيعي مع البريطانيين جون تولند وانطوني كولنز واعتبر ماركس التأليه الطبيعي طريقة سهلة ومريحة للتخلص من الدين.
(التقدمية) هي الركيزة الخامسة وهي من أكثر أفكار العصر الحديث انتشارا خاصة في العالم الثالث وتعريفا هي «نظرية تتضمن تركيبا للماضي ونبوءة عن المستقبل» أنها قائمة على تفسير للتاريخ يعتبر البشر في تقدم مستمر بطيء وهي في الحقيقة اسم معاصر للعناية الإلهية.
وهي فكرة تلغي القيامية ونهاية الزمان واليوم الآخر ولعل الفرنسي كوندورسيه أول من صنع من هذه الفكرة نظرية، فقد تحدث عن عشر مراحل للتطور (الأولى هي البدائية، الثانية هي الرعوية، العصر الزراعي، المرحلة الإغريقية، المرحلة الخامسة هي الرومانية، السادسة هي العصور الوسطى المظلمة، السابعة هي مرحلة تهيئة عقل الإنسان ما قبل الثورة، الثامنة هي عصر النهضة منذ اختراع الطباعة وحتى ديكارت، التاسعة هي ثورة ديكارت العقلية وخلق الجمهورية الفرنسية، العاشرة متروكة للمستقبل).
أما أوغست كونت فقد رأى أن البشرية مرت بثلاث مراحل هي (اللاهوتية، الميتافيزيقية، الوضعية التي هي غاية التقدم الإنساني) أما ماركس فقسم التاريخ البشري اقتصاديا إلى خمس مراحل هي (المشاعية، العبودية، الإقطاعية، الرأسمالية، الشيوعية). التقدمية تتحدث عن حتميات وبالتالي تلغي الإرادة الإلهية، وهي ترتبط بالمركزية الأوربية باعتبار البشرية تتقدم نحو نموذج غربي(وكان فرانسيس فوكوياما قد صاغ النظرية في مقال سماه نهاية التاريخ يجسد التقدمية في صياغة حتمية جديدة.
الركيزة السادسة هي الوضعية التي وضع أسسها اوغست كونت وهي ترفض الفلسفة وتعتمد العلوم التجريبية سبيلا وحيدا من اجل المعرفة الحقيقة وتتبع العلل والحساب والتجربة. وقد أعلنت الفلسفة الوضعية نهاية الدين وألغت حق الإنسان في البحث عن أسئلة الحياة الكبرى وسلمت دفة القيادة إلى مستوى عال من التقنية المتطورة التي تقود البشرية مغمضة العينين إلى مستقبل مجهول. الركيزة السابعة هي المادية وهي الحصيلة النهائية للفكر الحديث وتعريفا هي الإقرار بأولوية المادة في الوجود وتبعية أي شكل آخر من أشكال الوجود لها .
فشل التغريب
كشف الفكر الغربي عن ظاهرة الاغتراب الثقافي عند العرب بسبب عدم تجانس الفكر المستورد مع الفكر العربي الإسلامي وأن حققت الحضارة الغربية اختراقا كبيرا على مستوى الاستهلاك الذي لم يصل بعد إلى المعتقدات، ويجزم الكتاب أن كل محاولات تغريب المجتمع العربي تحت يافطات الإصلاح والتجديد والتحديث قد فشلت.
المؤلف في سطور
فلسطيني مقيم في سورية من مواليد 1966،دكتوراه في الفلسفة من جامعة الصداقة في موسكو من مؤلفاتة: «علاقة الدين بالسياسة و مركزية الصراع على فلسطين»و«خطاب التجديد الإسلامي» و«سؤال الهوية في الفكر الإسلامي المعاصر»
أحمد عمر
الكتاب: الأسس البنيوية لفكر الحداثة الغربية
تأليف: محمد عادل شريح
الناشر: دار الفكر دمشق 2008
الصفحات: 152 صفحة
القطع: الصغير
