يعود الكاتب عبدالرزاق عيد في كتابه الجديد (هدم الهدم) إلى ما قبل مرحلة خمسينات القرن الماضي، التي مثلت الزمن التأسيسي لما يعتبره زمن الشرعيات الثورية، الانقلابية العسكرية والفلاحية الشعبوية، أي أنه يعود إلى زمن الشرعيات الدستورية المدنية الليبرالية، الممثلة للنصف الأول من القرن العشرين، التي لم تر البطولة سوى في قدرة العقل على تعقل ذاته في نواميس الطبيعة والمجتمع والحياة.
ويعزو عيد عودته إلى تلك الفترة إلى التوقف عند عبد الرحمن الكواكبي المثقف العربي الأول الذي وجه أول صفعة للطغيان والاستبداد عربياً، بعد أن اكتشف وكشف أنه سر انحطاط الأمم، لأنه يشلّ عقل الدولة والمجتمع من خلال تعالق وتشارط الاستبدادين السياسي والديني. ثم ينتقل إلى ما يسميه معركة الهدم قام بها جورج طرابيشي في القسم الثاني من القرن العشرين، من خلال تناوله لمشروع المفكر المغربي محمد عابد الجابري، الذي يصفه بأنه ينصّب التراث «أبا عقلانياً» تتوجب استشارته في كل خطوة. ويتطرق عبد الرازق عيد إلى تجربة هادي العلوي العراقي، بوصفه صاحب أول محاولة رائدة في مجال «روحنة الإسلام» تصوفياً، بما فيه روحنة المجال السياسي كرد ثقافي، تراثي وحضاري ومدني على العنف الأبوي الطغياني الذي حكم الممارسة السياسية العربية.
كما يتطرق إلى التاريخانية العربية المعاصرة، بوصفها بحث في الحرية بوصفها بوابة ولوج الأمم إلى التاريخ، وذلك لهدم النظرية التقليدية القائمة على نظرة التبجيل والأمثلة للمتخيل الثقافي عن تاريخ الأنا الحضارية للأمة، ونقطة الانطلاق في كل ذلك هي حقوق الإنسان، والنظام الأبوي وإشكالية تخلف المجتمع العربي، من خلال عرض ما قدمه هشام شرابي، التي يعتبر أول من اتخذ من بوابة النظام الأبوي مدخلاً للإطلال على حطام الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي العربي القائم.
ويرى عيد أن الترسيمة النظرية لبنية الدولة السياسية الوطنية والقومية، هي الدولة الدستورية، هذه الدولة هي التي تؤطر كل الممارسة النظري ليس للريحاني فحسب، بل ولفكر عصر النهضة بكامله بدءاً من التأسيس لها في برنامج الحزب الوطني المصري 1882 الذي وضعه الإمام محمد عبده وصولاً لحركة الضباط الأحرار التي دشنت الزمن الانقلابي العسكري الريفي على الدولة الليبرالية العربية ليس في مصر فحسب، بل وفي العالم العربي.
ويقرر المؤلف أن الفكر العربي تعرّف على الليبرالية في صيغتين أبرزتا درجة الثقل النوعي لكلتا المنظومتين المحلية والكونية، حيث تمثلت في سبيلين: سبيل «المصالحة» بين الدين والعصر، الماضي والحاضر (الطهطاوي ـ الأفغاني ـ محمد عبده ـ الكواكبي)، وسبيل الليبرالية، الأمثولة العصرية التي ترى في الغرب صانعاً لتاريخ العصر، فهو المثال والنموذج للتقدم، (أحمد لطفي السيد ـ طه حسين ـ علي عبد الرزاق ـ محمد حسنين هيكل...إلخ).
ويعتبر المؤلف أن الليبرالية انطوت عبر حضورها في الخطاب العربي على المستويات الثلاثة التي يتحقق بها الوعي المطابق للمجتمع العربي: الوعي الحديث، الوعي الكوني، الوعي التاريخي، حيث يتبدى البعد التاريخي، في هذا السياق، ليس من خلال استجابة هذا الوعي لزمنه التاريخي فحسب، بل من خلال ميزتين تميز بهما المؤلفون العرب الليبراليون. تتجسد الأولى في الدفاع عن الحرية ضد الخصوم الداخليين من خلال المشترك الثقافي الإسلامي، حيث راحوا يثبتون أن الدعوة إلى الحرية هي من صميم الإسلام، وأن كل ما يناهض الحرية في الحياة الإسلامية فهو ليس من الإسلام الحقيقي.
فيما تتجسد الثانية في إرادة تأصيل الحرية في عمق المجتمع والتاريخ الإسلاميين. وكان يقرأها في الزمن الإسلامي القديم، من خلال اعتبار أبو حنيفة بطل الحرية والتسامح وأبو ذر بطل الديمقراطية والاشتراكية..الخ.
الليبرالية والوعي التاريخي
الليبرالية في السياق النهضوي العربي، حسبما درسها عبدالله العروي، هي تجسيد موضوعي عقلاني لمستوى التطور التاريخي الذي حققه المجتمع ولمستوى وعيه التاريخي بهذا التطور، أو بمعنى أدق استجابة لما لم يحققه المجتمع بعد، وهذا يعني بلغة ياسين الحافظ أن الليبرالية في الزمن النهضوي أنتجت وعياً تاريخانياً كونياً مطابقاً بحاجات المجتمع العربي وهو يلتمس طريقه باتجاه التقدم والتحديث.
المؤلف في سطور
عبد الرزاق عيد ناقد وكاتب سوري. يهتم بالقضايا الفكرية والثقافية، وأصدر العديد من المؤلفات والدراسات، منها: يسألونك عن المجتمع المدني، ربيع دمشق الموؤد ، و طه حسين، العقل والدين، بحث في مشكلة المنهج ، و الثقافة الوطنية، الحداثة، مشكلة المنهج ، و ياسين الحافظ، نقد حداثة التأخر ، و العالم القصي لزكريا تامر ، و الثقافي الجمالي الايديولوجي ، وأزمة التنوير، شرعنة الفوات الحضاري ،
والديموقراطية بين العلمانية والإسلام وهو مؤلف مشترك، و أبو حيان التوحيدي، فصل الدين عن الدولة/ فصل الدين عن الفلسفة ، و قراءة سوسيودلالية في مدن الملح ، و ذهنية التحريم أم ثقافة الفتنة: حوارات في التعدد والتغاير والاختلاف ، و نقد العقل الفقهي ج1: سَدَنة هياكل الوهم / البوطي أنموذجاً ، و نقد العقل الفقهي ج2: سدنة هياكل الوهم/ يوسف القرضاوي بين التسامح والإرهاب ، و محمد عبده: إمام الحداثة والدستور .
عمر كوش
الكتاب: هدم الهدم
تأليف: عبدالرزاق عيد
الناشر: دار الطليعة - بيروت 2008
الصفحات: 253 صفحة
القطع: الكبير

