تطرقت سمر يزبك في كتابها الجديد «غادة السمان : المهنة كاتبة متمردة» إلى مراحل حياة الكاتبة غادة السمان التي ولدت سنة 1947 من أسرة دمشقية معروفة، والدها هو الدكتور أحمد السمان الوزير السابق والباحث المعروف ورئيس جامعة دمشق، وأمها سيدة من أسرة رويحة الثرية من مدينة اللاذقية.
وهكذا كانت غادة السمان تنتمي إلى أسرة مثقفة حيث كانت أمها تنظم الشعر وتكتب القصة وتنشرها بأسماء مستعارة، أتقنت غادة اللغة الفرنسية وهي لا تتجاوز السنوات الثلاث بالإضافة إلى إلمامها للغة الانجليزية، وتوفيت والدة غادة وهي تبلغ من العمر الخمس سنوات ليكون لرحيل الأم أثر بليغ على الطفلة غادة التي تعلمت من والدتها قيما مختلفة عن السائد تميل إلى الإحساس بعدالة الحياة، بطريقة لم تتقبلها عائلة والدها المحافظة.
واحتضن الأب الطفلة غادة بعد وفاة الأم وكان ذا ثقافة موسوعية وهي مزيج من الثقافة العربية التراثية والثقافية الغربية التي كان على اتصال مباشر بها أثناء دراسته في باريس، وقامت الجدة بتربية غادة والاهتمام بشؤونها وقد أثبتت الطفلة بأنها فتاة استثنائية فقد كانت متفوقة في صفها وذكية واستطاعت أن تنتقل بين صفين في سنة واحدة وهذا النجاح والتفوق أهلاها للدخول إلى الجامعة مبكرا في الوقت الذي كانت النساء اللواتي يرتدن الجامعة نادرات.
وأشارت المؤلفة إلى طفولة غادة التي كانت شقية ومغامرة جدا مختلفة تماما عن باقي الفتيات في عمرها حيث كانت تنفرد مع الطبيعة وتستمتع بحريتها في الحركة، وتجوب الأراضي الزراعية وتتنكر بهيئة صبي.
وذهبت المؤلفة إلى مرحلة شباب الكاتبة المتألقة غادة السمان التي أحبت في فترة شبابها شابا من أسرة دمشقية معروفة، وكان ذلك الحب بداية الصدام الذي خاضته غادة مع والدها وعائلتها الذين قابلوا هذا الحب بالرفض بسبب السمعة السيئة للشاب الذي عرف بتنقله من امرأة لأخرى، إلا أن غادة تحدت والدها وذهبت مع حبيبها إلى بيروت وتزوجته وبقيت هناك حتى سافر إليها والدها أحمد السمان وعاد بها إلى دمشق وذلك حفاظا عليها، وليراقب زواجها ويحميها من عبث الرجل المعروف بنزواته وعدم ثباته مع امرأة واحدة.
انتهى زواج غادة السمان بالطلاق بعد أن عاد الزوج إلى نزواته، وخرجت من تلك التجربة محطمة القلب وفقدت جنينها أثناء شدتها النفسية تلك، وبعد الطلاق عادت لمتابعة دراستها لتتخرج من قسم اللغة الانجليزية بتفوق وامتياز في عام 1960.
واستعرضت سمر يزبك مرحلة ما بعد تخرج الروائية غادة السمان التي التحقت بالعمل في القصر الجمهوري أثناء الوحدة بين مصر وسوريا كمترجمة للرئيس ونائبه، حيث انخرطت أثناء عملها هذا في عالم جديد تعرفت فيه على عدد من الأصدقاء ... وبدأت حينها تتجه إلى الكتابة بعد أن اكتشفت أنها تنتمي إلى ذلك المكان الذي يشبهها وحدها ويميزها عن محيطها، وصمدت متجاوزة محنتها لتعيش مع هوس يومي مع نصوصها ورغبتها بصنع شيء مختلف.
وأشارت الكاتبة إلى الدستور الخاص بحرية النساء الذي وضعته غادة السمان سنة 1962 وقامت بنشره، وتحدثت فيه عن أوضاع المرأة الصعبة، وطالبت فيه بتغيير حياة النساء ودعتهن إلى عدم استعذاب القيد، وحثتهن على التزام الحرية المسؤولة التي تجعل منهن كائنات ذات مرتبة موازية للرجل.
وسلطت يزبك الضوء على المجموعة القصصية الأولى«عيناك قدري» سنة 1962 الذي انطلقت فيه غادة السمان من سمتين أساسيتين، الأولى هي التمرد على مجتمع سكوني مستبعد، والثانية تتمثل في تمرد نسوي على الوضع الجنسي الذي تعيشه المرأة العربية، لتكون غادة واحدة من كاتبات قلائل في العالم العربي تجاوزت فيه الحدود والأطر التي تحدد حرية المرأة العربية وقدرتها على البوح.
وترى المؤلفة بأن رحلة غادة السمان تنبع من حفاظها على هذا الوعي والحفر في المكان نفسه لتعميق موقفها الرافض ومحاولة تجاوز الوضع العربي، وضع الحريات بشكل عام ومثلها مثل نزار قباني وإحسان عبد القدوس والعديد من الكتاب الذين يضعون مهمة «التغيير بالأدب» نصب أعينهم، كانت أسئلة غادة اجتماعية أكثر منها أدبية.
وعرضت يزبك تناول غادة السمان لحياتها في الرواية، والسرد الذي يأتي بسهولة موضوعات الحديث اليومي، وكتابة المذكرات، إلا أنها تستطيع ربط تلك اليوميات وتحويلها إلى نص روائي كما فعلت في روايتها «فسيفساء دمشقية» حيث تحدثت غادة عن طفولتها وشبابها في مدينة دمشق قبل ان تغادرها نهائيا دون عودة.
وما فعلته غادة في «فسيفساء دمشقية» من وجهة نظر يزبك كان موجودا وإن بطريقة مختلفة في ليلة المليار، وكوابيس بيروت، حيث كانت الذات غائبة كليا، والطفولة لها وقعها الحساس في روح الإنسان وإن كانت تجربتها في الحرب الأهلية اللبنانية جعلتها تبدع نصوصا أفضل ما قيل فيها انها صورت العالم من وجهه الأكثر مأساوية وحساسية. وتعتقد الكاتبة بأن دخول غادة السمان المناطق المحرمة «منطقة المسكوت عنه في النص العربي» في زمن مبكر، كانت رائدة بالنسبة لغيرها من الكاتبات، بامتلاكها حريتها الشخصية، وقوة حضورها الحياتي وثراء التجربة العميقة لما عاشته وعانته، وهي كانت حريصة على هذا الدور أكثر من حرصها على توسيع قاموسها من دون أن نقول إنها لا تمتلك قاموسها الخاص.
بدأت غادة العمل في الصحافة اللبنانية وكتبت عن معاناة الفقراء بالإضافة إلى مقالاتها الأدبية والسياسية، كما كتبت عن القضية الفلسطينية وعن العلاقات الجنسية وطالبت بجرأة بحق المرأة في جسدها مثل الرجل، كتبت عن النساء الخانعات واستعذابهن القيد، وكانت تسبح في مدارات الجسد اللغة والهوية والوطن وتقتحم بمقالاتها وتحقيقاتها كل المناطق المحرمة على أنثى مثلها. وفي سياق آخر تطرقت يزبك إلى العلاقات العاطفية التي عاشتها غادة السمان التي أحبت عدة رجال وكان لها قصص معروفة مع صحافيين وكتاب، وأشهرها كانت علاقتها مع غسان كنفاني وقصة الرسائل التي نشرتها ولم تنته من تداعياتها حتى الآن.
ومن جهة أخرى توقفت الكاتبة أمام الصدمة الحقيقية التي تعرضت لها غادة السمان وهي وفاة والدها الذي كان رجلا كبير القلب تقبل حرية ابنته ودافع عنها، ووقف إلى جانبها كما لم يفعل أي من المثقفين المحيطين بها، ورحيله عن الحياة يعني أن غادة فقدت احدى ركائزها الأساسية للدفاع عن نفسها، إلا أنها تخطت الأزمة وسافرت إلى لندن وساعدها في ذلك الشهيد غسان كنفاني على البداية من جديد.
وأشارت يزبك إلى مرحلة مهمة في حياة الكاتبة وهي زواجها من الاقتصادي المعروف الدكتور بشير الداعوق في عام 1971، وأنجبت منه ولدا وحيدا أسمته حازم ومن هنا تغيرت حياة غادة بالمعنى المحسوس للكلمة .
المؤلفة في سطور
سمر يزبك كاتبة وروائية سورية كتبت العديد من سيناريوهات لأفلام وثائقية ودرامية، ونالت الجائزة الأولى لأفضل نص في الأمم المتحدة ووزارة الإعلام السورية عن فيلمها «أسماء واطئة»، وناشطة في مجال حقوق المرأة، كتبت في الرواية «طفلة السماء» و«صلصال» وفي القصة القصيرة «باقة خريف» و«مفردات امرأة»، كما لها كتاب بعنوان«جبل الزنابق... حكي منامات» وهو مجموعة نصوص تحكي خلالها الكاتبة عن 79 حلما بشكل سريالي وبلغة شعرية عالية، أما آخر إصداراتها فهي رواية «رائحة القرفة».
قراءة نقدية
في هذا الكتاب تطرقت سمر يزبك إلى عرض مراحل حياة الكاتبة السورية المتميزة غادة السمان في قراءة سيرية ونقدية لأهم أعمالها في كل مرحلة تعيشها من حياتها، والذي كان يبدو جليا عبر نصوصها وبين مفرداتها منذ أن بدأت محاولة اكتشاف المعنى الوجودي لحقيقة ما عاشته غادة السمان دائما.
ناهد رضوان
الكتاب: غادة السمان المهنة: كاتبة متمردة
تأليف: سمر يزبك
الناشر: الأمانة العامة لاحتفالية دمشق عاصمة للثقافة العربية 2008
الصفحات : 98 صفحة
القطع: الصغير
