هلال تتوسطه نجوم زاهية، صورة الكاتب المصري الشهيرة في التاريخ الفرعوني في جلسته «القرفصاء»، شمس تنشر أشعتها في جميع الأرجاء، جواد أسود مجنح ينطلق مسابقا الريح، وجه الملكة الفرعونية الجميلة «ميريت» يتوهج في كتلة من السواد الحالك.
عينة متباينة لعشرات «اللوغوهات» الشهيرة لعدد من دور النشر العربية، ترى ما المغزى الذي ترمي إليه هذه الدور من الشعارات التي تتخذها عنوانا لأعمالها؟ من يصنع الآخر.. دار النشر أم شعارها؟ وكيف يتم اختيار هذه العلامة بالنسبة لكل دار؟ وهل يمكن أن تستغني دار للنشر عن أن يكون لها شعار أو«لوغو» خاص بها؟ هذا ما نحاول تسليط الضوء عليه ورصد أبعاده لدى دور النشر التي تعمد إلى تأسيس «علامة تجارية» خاصة بها هدفها الترويج لأعمالها الأدبية والفكرية في أسواق النشر، وهذا ما نحاول التعرف إليه من أصحاب هذه المؤسسات أنفسهم لمقاربة هذه الظاهرة الملفتة الآخذة بالانتشار والتوسع:
نبدأ بمحمد هاشم صاحب دار «ميريت» التي تبنت إصدار أعمال تهتم بالجذور الثقافية المصرية، وإبداعات الشباب وبخاصة الحداثيين، وكان من أشهر ما قدمت الدار ـ التي تتخذ من وجه الملكة الفرعونية الجميلة «ميريت» شعارا لها ـ الأعمال الكاملة للشاعر أحمد فؤاد نجم، و«عمارة يعقوبيان» للأديب علاء الأسواني، و«مصر المحروسة» للدكتور علي السلمي، ورواية «دماء أبوللو«للدكتور زين عبدالهادي. إلى جانب العديد من أعمال الحداثيين والشباب، ويوضح هاشم أن اختيار العلامة التجارية للدار جاء متسقا مع رؤية ما تقدمه من أعمال فكرية وإبداعية، بحثا عن تأصيل الإبداع والفكر المصري، لافتا إلى أن اختيار الملكة «ميريت» لم يأت اعتباطا، إنما لما تحمله من مدلولات رمزية للجمال والإبداع الذي لا يتوقف على مجرد المظهر، إنما ينسحب أكثر إلى جوهر ما يقدم من أعمال ذات قيمة جمالية وإبداعية مشهودة.
امتزاج حضاري: في الاتجاه ذاته، يؤكد الشاعر محمد الحسيني صاحب دار «نفرو» أن اختيار اسم الدار يشبه إلى حد كبير ولادة مولود جديد، يحتاج إلى أن ينمو ويكبر ويثقف.. على هذا الأساس جرى اختيار اسم «نفرو«لترمز إلى الدار، وأصبح «لوغو» الدار بمثابة بطاقة تعريف وهوية يهتدي بها كل من يقرأ مطبوعاتنا إلى هوية الدار حتى لو لم يطالع بيانات الدار. ويلفت الحسيني إلى أن اختيار «نفرو» له دلالات تاريخية تؤكد على روح الانتماء والعطاء الثقافي المستمر الذي لم ينقطع أبدا منذ دشن الفراعنة حضارتهم التليدة وحتى اليوم، أيضا تضمن «اللوغو» كتابة حرف «النون» في كلمة «نفرو» بأحد الخطوط الإسلامية، تأكيداً على امتزاج الحضارة الفرعونية بالحضارة الإسلامية.
رمز الثقة
بينما يتجه محمد صلاح خسرو صاحب دار «الدار» التي أصدرت العديد من الأعمال المتميزة منها «تغريدة البجعة» للروائي مكاوي سعيد التي كانت بين الروايات الخمس التي فازت بجائزة «بوكر» العربية مؤخرا، و«رجال بعد الرسول» للكاتب إبراهيم عيسى، و«الموت رابض وراء الحب» لماركيز، يتجه إلى منحى آخر في مدلولات «اللوغو»، موضحًا أنه عندما جرى التفكير في اختيار اسم لدار النشر.
تم وضع أكثر من 30 اسما، واستقر الاختيار على اسم «الدار» لأنه أكثر حميمية بالنسبة للمبدع والمثقف، كما أنه اسمٌ شائعٌ بين عامة الناس سواء في مصر أم الوطن العربي، اسم يحمل معاني التاريخ لدى العامة، ويحمل معاني الإلهام والثقة لدى المبدع، لافتا إلى أن هناك دور نشر استمدت ثقتها من اسمها، مدللا على ذلك ب«دار الهلال» التي ارتبط اسمها بتقديم أعمال متميزة يثق القارئ في جدارتها بالقراءة والاقتناء.
دلالة الكاتب
إذا كانت دار مدبولي للنشر لا تعتمد على «اللوغو» أو الشعار كعلامة تجارية فإن الأمر نفسه اتبعته «دار الشروق» ولكن بشكل معدل أو مختلف حيث اكتفت أيضا بطباعة اسمها على أغلفة الكتب التي تصدرها لكن بطريقة متميزة تتضمن «شمسا» تطلق أشعتها في جميع الأرجاء، دلالة على أن نشر الوعي الثقافي والحضاري مهمتها الأساسية.
على العكس من ذلك، فإن الهيئة العامة المصرية للكتاب اختارت لنفسها شعار «تمثال الكاتب المصري القديم»، وهو الشعار الذي يتكرر على كل مطبوعاتها، ويتناسب مع هوية الهيئة الوطنية والقومية، وما يصدر عنها من إصدارات في شتى المجالات، خاصة أن الدار تتخصص في كل ما يرتبط بتاريخ مصر والعالم العربي، والدراسات السياسية والتاريخية، فضلا عن الإصدارات العلمية والأدبية والمتخصصة الأخرى، ويؤكد المسؤولون بالهيئة أن اختيار «الكاتب المصري» شعارًا للهيئة، إنما هو دلالة قوية على المكانة التنويرية الرائدة لمصر على اختلاف الأزمان والعصور، وتأكيد على الارتباط بالجذور التاريخية للوطن، والتي هي الداعم الأساسي للنهضة.
تواصل
إلى ذلك، أشار عادل عزت مسؤول النشر بدار «أجيال» إلى أن اختيار العلامة التجارية «أجيال» إنما جاء ترسيخاً للتواصل بين مختلف الأجيال، وأنه لا تضارب بين جيل وآخر، إنما كل التيارات الثقافية يمكن أن تلتقي وتتواصل، لكنه في الوقت نفسه ينفي أن يكون للعلامة التجارية تأثير قوي ما لم يكن مضمون ما تقدمه دار النشر جيدا، ولفت إلى ضرورة ألا يكون «اللوجو» أو العلامة التجارية مكررا أو متشابها مع «لوغوهات » أخرى حتى يكون له صداه المتميز.
من جانبه، يرى طارق حسام مدير دار «الحسام للنشر» أن العلامة التجارية تتشكل في ذهن القارئ، فبمجرد أن ينظر إلى اسم الدار يعرف مدى جودة الكتاب الذي بين يديه، من حيث جودة الطباعة والإخراج، فضلا عن جودة المحتوى الذي يقدمه الكتاب، يتفق معه في ذلك مبارك إبراهيم مدير «أفراس»، مؤكدا أنه عندما اختار رمز «الفرس» كعلامة تجارية إنما جاء ذلك لما يرمز إليه من ارتباط بالبيئة العربية، حيث ارتبط الجواد لدى العرب بالشموخ والأصالة، وأيضًا جموح الأفكار وانطلاقتها.
مدبولي بلا «لوغو»
إذا كانت معظم دور النشر تتخذ شعارًا لها يعتبر علامة تجارية مميزة للدار، فإن دارا شهيرة مثل «مدبولي للنشر» لا تتخذ شعارًا لها، وبحسب محمود عيد مسؤول التسويق فإن اسم «مدبولي» يعتبر في حد ذاته شعارًا لا تحتاج معه الدار إلى أي شعار آخر، لأن هذا الاسم له مكانة عربية كبيرة.
القاهرة ـ وكالة (دار الإعلام العربية)



