خسرت الحركة الفنية التشكيلية المصرية والعربية برحيل حسن سليمان فنانا له خصوصية ولمسات تحمل حسه الفني الراقي، وعلامة بل مدرسة لها تلاميذها الكثيرون، فلقد انتشرت أصداء مدرسته الفنية وسط عدد كبير من الفنانين لأنه كان يفتح مرسمه للجميع وهو واثق من أنه مهما كان التأثر فلن يستطيع تلامذته متابعة خطوات صعوده المتألقة في الإبداع إلى القمم الجديدة.

عاش ومات قابضا على رؤاه الفنية ومحاربا شرسا ضد الدخلاء على الساحة التشكيلية، كثرت معاركه لكنه ظل صامدا على الرغم من عزلته الأخيرة، مصراً على تألق روحه الفنية، هذه الروح التي امتد عطاؤها نقديا في أكثر من كتاب، وترجمة لمنتخبات من الشعر العالمي، وقراءات في الموسيقى . كان موسوعيا في رؤيته وفلسفته الفنية والإنسانية. لقد شغف حسن سليمان منذ بداياته الأولى بثنائية الضوء والظل، الشروق والغروب، لتتجلى في مختلف مراحل عمله، هذه المراحل الثرية بتنوعها وخصوبتها، فمن مشروع تخرجه في كلية الفنون «عرب المحمدية» وصور المباراة النهائية للتحطيب.. ورواد الموالد الشعبية لأولياء الله الصالحين من الطبقة الكادحة والصعايدة، إلى القاهرة الفاطمية التي لم يترك موقعا فيها إلا ونقلها في لوحاته بدءا من العمارة الشعبية إلى بهاء العمارة الإسلامية.. من المآذن والجوامع والأسبلة إلى الدور..

وقد أشير إلى أن أعماله في هذا الاتجاه جاءت بمثابة تجربة صوفية في التصوير المصري المعاصر. إلى لوحات نساء الطبقة الشعبية فقد تحرر في كل شيء كما يشير الفنان صلاح بيصار في اللمسات وطريقة الأداء حيث جعل المرأة تتصرف بطبيعتها كما سلوكها في الحياة اليومية فقد رسمها جالسة على الأرض.. وواقفة.. متشابكة الأيدي.. وتعطى ظهرها للمشاهد.. وعارية القدمين و«حافية».. والعجيب أنه جعلها عكس الضوء.. كما جعلها مسكونة في الظلام والضوء في الخلفية.. وقد جاءت تلك الخلفية.. وتلك اللوحات أكثر تعبيراً وأكثر صدقاً من الأخرى.. فقد رسم من خلالها العيون الحزينة والملامح المتحررة.. والهموم والأنوثة المتفجرة.. والهمس والشجن ..

يطل في أعمال حسن سليمان أيضاً الصراع القوي بين الظلال والألوان غير انه أحيانا ما يختفي هذا الصراع لكي يحل محله تحد قائم بين المساحات المتوازية أو المتتالية أو المتدرجة الظلال وهنا يكون التحدي عند المبدع هو تحدي الذات والانتصار على الذات واحتدام الصراع الباطن فيها. وقد شكل معرضه «طبيعة صامتة» الذي أقامه في أكتوبر 1998 نقلة مهمة في تجربته الفنية أو لنقل أنه كان امتداداً طبيعياً لفلسفته التأملية حيث أنتج أكثر من أربعين لوحة في هذا المجال وكلها عبارة عن تكوين لأربع أوان شعبية من الفخار، التكوين في حد ذاته لا يتغير لكن الإحساس به لا يظل على حاله مع زوايا الإضاءة وبؤر الضوء ، وقد اعترف حسن سليمان في تقديمه لتجربته في هذا المعرض بأنه: «محاولة متواضعة لإلقاء الضوء على جانب من ممارستي الطويلة.. إحدى تجاربي الفنية».

مضيفاً: «في تجربتي هذه كنت في كل مرة ارسم الشيء الذي أمامي، أجدني أمسكت بشيء وفقدت شيئاً آخر. هكذا استمرت التجربة. أريد الإمساك بصلابة الشيء ككل، فإذا بي أمسكت بشيء جديد، وافتقد ما سبق الإمساك به دون الوصول إلى ذلك التكامل الذي أصبو إليه. أنها معادلة صعبة بين الذات والموضوع وعلاقاتهما بالوجود». مؤكداً: «هكذا.. أخيراً أدركت أنه لا وجود لصورة أفضل من الأخرى، بل ان كل واحدة هي حالة مستقلة من الانفعال، وان لا آخر للتجربة».

مؤلفات ومعارض

ترك الفنان حسن سليمان عدة مؤلفات في الفن التشكيلي منها كتاب «حرية الفنان»، و«الحركة في الفن والحياة ـ كيف تقرأ صورة» و«سيكلوجية الخطوط» و«كتابات في الفن الشعبي» و«سيكولوجية الحركة» و«الملمس وكتاب» و» ذلك الجانب الآخر ـ محاولة فهم الموسيقى الباطنية للشعر والفن»، أسس مجلة جاليرى عام 1977، وأقام حوالي 14 معرضا خاصا أولها كان عام 1952 وأخرها كان عام 2008.

رحلة التأسيس

ولد حسن سليمان في القاهرة في 17 سبتمبر عام 1982 وهو خريج قسم التصوير جامعة القاهرة قام بعمل دراسات عليا في سيكولوجية البعد الرابع بأكاديمية الفنون، ودراسات في أسس التصميم ومحاضرات حول مساجد القاهرة منها السلطان حسن والسيدة صفية وبعض خصائص العمارة الإسلامية كما عمل مدرساً في معهد السينما وكلية الفنون الجميلة وعلى فترات متفرقة.

الحضور الفاعل

تمتع حسن سليمان بحضور قوي وفاعل في الحركة الثقافية والتشكيلية المصرية في الستينات والسبعينات، وقد أسس مع إبراهيم منصور وأحمد مرسي ومجموعة الشباب الطالعين وقتئذ إدوار الخراط وغالب هلسا وإبراهيم أصلان وجمال الغيطاني وغيرهم مجلة «جاليري 68»، وأشرف على إخراج وتحرير باب الفنون التشكيلية في مجلة الكاتب ومجلة المجلة ـ كتابات في الفن الشعبي ـ الإذاعة المصرية ـ الآداب. ودرس في مرسمه عددا كبيرا من الفنانين أصبح معظمهم في مصاف كبار الفنانين. وصمم الديكور والملابس والإضاءة لعدد من المسرحيات التي عرضها المسرح القومي.

محمد الحمامصي