(1)كانت قد أسلمتْ نفسها إليه في حلم قبل أربعين سنة. وكان عليها أن تسد الفجوة التي انفتحتْ من جرَّاء عدم تصديقه أنها بين يديه في حلم. كان يحملها مسؤولية رأب الصدع العميق، دون كلمة واحدة، دون إشارة واحدة. وكان يشك في قدرتها على ذلك. الآن بعد أن تجاوز الستين، عاودته ذكرى الحلم، وهو يُقلِّب في بعض الصور الفوتوغرافية القديمة، ومع التحديق الطويل في وجه صاحبة الصورة، عادتْ إليه لحظات قبل وبعد ثبات اللقطة الفوتوغرافية.
كانت تبذل مجهوداً مضحكاً لضم شفتيها أمام عدسة التصوير، إلا أن الابتسامة العابثة تسرَّبتْ إلى الوجنتين والعينين. كما يُكْتم الماء في موضعٍ، فيظهر في موضعٍ آخر. كان عمرها في ذلك الوقت لا يتجاوز السادسة عشرة. وكانت تضع مُقوِّم أسنان حديدياً، تكره بمرح أن يظهر في الصورة. بعد اللقطة الفوتوغرافية مسحتْ بأطراف أصابعها ماء الابتسامة عن عينيها. انقطعتْ عنه أخبارها طوال أربع سنوات، ثم جاء حلمه بها فجأة. علم في بداية خمسيناته أنها ماتتْ في حادثة سيَّارة منذ ثلاثين سنة. كانت في العشرين من عمرها، أي في مثل عمره عندما حلم بها. أيكون حلمه قد استدعى موتها؟ أم حادثة الموت هي التي استدعتْ الحلم بها؟
غرق في كآبة وشعور بالذنب، وهو ينظر إلى شعاع ضوء الغروب المُنفلت من وراء ستارة النافذة، والمُستقر بلونه البرتقالي الدامي على حافة المكتب. حرَّكَ الصورة الفوتوغرافية ذات القطع المتوسط المُستعرض التي تضم زوجته وصديقتها تحت شعاع الغروب. مع التحريك اكتسبَ الوجهان كلٌ منهما على حدة، الضوء الواهن نفسه. كان شعاع الضوء الضيِّق النحيف لا يسع الوجهين معاً.
بدت الزوجة بملامحها الهادئة أكبر من صديقتها، وكأنّها ستموت قبل الصديقة. في المقابل بحثَ عن أي شيء يوحي بموت صديقتها بعد أربع سنوات من تاريخ الصورة، مُتجاهلاً خبر موتها الذي جاءه بعد ثلاثين سنة، فلم يجد أدنى إشارة ـ ولو خفيَّة ـ عن هذا الموت المبكر، إلا إذا كان عمر زوجته الذي يزيد ثلاث سنوات على عمر الصديقة، يحمل نذير شؤم مستقبلي، كان عليه أن يقرأه منذ أربعين سنة. أدركَ بنفور وانقباض أنه عاش سنوات طويلة مع زوجته بهذا الفارق الثابت بين عمريهما. كأنّه كان يأمل من بداية خمسيناته أن يتحرك فارق السنوات المشؤوم.
(2)
كان أبي في حالات الضيق يقول تلك الكلمات «هيّه كده» ويقصد بها الدنيا. «يا» مفردة عن المنادى. «أيوه» مدعومة بيقين الاستسلام. يعيد الكلمات البسيطة، وهو يحقنها بطاقة الأداء والأسلوب، حتى تكتسب مع الزمن، وطول استعماله لها بعداً غامضاً ينأى بها عن أسبابها الواقعية. «هيّه كده» «يا» «أيوه». ليس من الضروري أن يلتزم بهذا الترتيب، وليس عليه أيضاً أن يقولها جميعاً.
كان يكتفي أحياناً بـ «يا»، وهو يشحذها بتعبيرات الوجه، والنظر إلى ظهر وباطن اليد، وتنظيم الصمت في تكرارها، وخفض طبقة الصوت ورفعها تبعاً لحركته، وإبعاد اللحن أكثر ما يمكن عن الإيقاع الظاهر، وبث علامات الاستفهام والتعجب الموجهة إلى ذاته، وكأنه لا يريد الإجابة، بل يريد أن يُثبت حالة، يريد أن يُثبت أنه هنا وقفَ عند شيء ما، وتعجب منه واستفهم، لكنه لم يفض بكارته.
تلك البكارة التي تضمن له تكرار الكلمات في معزل عن أسبابها. كانت الكلمات بشكل عام تثير نشاطاً جسدياً لديه. ينتقل من غرفته إلى المطبخ لإعداد الشاي ثم يعود إلى الغرفة، فيشعل سيجارة منتظراً غليان المياه. يتذكر أنه لو أكل شيئاً قبل الشاي أو معه سيكون أفضل. يترك السيجارة في المنفضة الكريستالية تنزفُ ببطء خيط سرابها، ويعود مرة أخرى إلى المطبخ. يفتحُ الثلاجة آخذاً منها شريحة جبن والرغيف الفينو.
يضع الرغيف في فرن البوتاجاز. يدخل بعد ذلك الحمَّام، وينظر في المرآة إلى شاربه، يمسده بأصابعه مُختبراً تشذيبه. تسمع أمي كلماته وهي بين النوم واليقظة دون تأثر. تراها مُفتعلة زائفة. إذ كيف يرتبطُ الضيق والغم بحيوية الحركة وإعداد الطعام وإضاءة أنوار الشقة في عمق الليل وكأنَّ الليل نهار. في السنوات القليلة التي عاشتها بعد موته، تذكرت كلماته بشيء من الحنين. كان تأثير الموت على عقلها مثل تأثير الزمن على الأسباب الواقعية الأولى التي جعلته يتفوه بتلك الكلمات.
الكاتب في سطور
كاتب وسيناريست مصري من أعماله: تدريبات على الجملة الاعتراضية «مجموعة قصصية» صدرت عن المجلس الأعلى للثقافة 1995، فيلم «عفاريت الأسفلت» قصة وسيناريو وحوار وظهر الفيلم للعرض الجماهيري 1996، رواية «هراء متاهة قوطية» عن دار شرقيات 1997، رواية «الخوف يأكل الروح» عن دار شرقيات 1998، فيلم «جنة الشياطين» سيناريو وحوار المأخوذ عن رواية لجورج أمادو وظهر الفيلم للعرض الجماهيري 1999، رواية، «لمسة من عالم غريب» عن دار شرقيات 2000، كتاب «مرآة 202» عن دار ميريت 2003، رواية «الرسائل» عن دار ميريت 2006
مصطفى ذكري

