«أدهش مما أنجزته، وأشعر بأنني لو كنت رجلا لتم تناول مشروعي بجدية أكبر في عالمنا العربي، ولبات مشروعي (بروتا) مؤسسة أو هيئة أو أية منظومة لها ميزانية مما يسمح بتقديم العديد من المشروعات في ذاك الإطار»، بهذه الكلمات اختصرت الدكتورة سلمى الخضراء الجيوسي تجربتها الإبداعية والنقدية في لقاء معها لدى زيارتها دبي مؤخراً.
من هي تلك المرأة.. الأم.. المبدعة.. التي استطاعت أن تتجاوز نفسها وعصرها وجغرافية المكان، لتسبق الزمن بنتاجها وتقدم ما عجزت هيئات ومنظمات عن تقديمه؟ وكيف استطاعت نقل روائع الأدب العربي إلى العالم الغربي وجعلت أكبر دور النشر في الغرب ترحب بنشر أعمالها وكيف أقنعت العديد من كبرى الجامعات في الولايات المتحدة بدعم مشاريعها ونقل ثقافة العرب التي تعتمد حسب قولها على الثقافة السماعية كمرجع أساسي؟ إنها الشاعرة والأستاذة الجامعية والناقدة والمترجمة سلمى الخضراء الجيوسي التي ولدت لأب فلسطيني وأم لبنانية، وعاشت في بيت معروف بوطنيته وثقافة أبناء عائلته وتعلمت في القدس، وبعد أن أكملت دراستها الثانوية في مدرسة شميت الألمانية، أرسلها والدها إلى الجامعة الأميركية في بيروت، حيث تخرجت متخصصة باللغات.
وهي التي برزت موهبتها الشعرية مبكرا، إلا أنها التزمت بنصيحة والدها بأن لا تكتب الشعر إلا بعد أن تتعلم العربية جيدا وتمتلك نواصي الشعر، وهكذا بدأت بالكتابة والنشر في مجلة الآداب البيروتية قبل عام 1960، حيث صدر ديوانها الأول «العودة إلى النبع الحالم». وبعد زواجها من دبلوماسي أردني طافت العديد من البلدان أهمها العراق في مرحلة ازدهار حركة الشعر فيه في الخمسينات، وهناك التقت بنازك الملائكة وبدر شاكر السياب. ثم حصلت على الدكتوراه من جامعة لندن عام 1970، لتبدأ تدريس الأدب العربي في العديد من الجامعات العربية مثل السودان والجزائر.
أما تميزها في العطاء والإنتاج الذي كان له الدور البارز في نقل ثقافة العرب إلى الغرب، فقد تزامن مع انتقالها للتدريس في جامعات الولايات المتحدة في يوتا وجامعة مشيغان وواشنطن وتكساس، حيث لمست خلال إقامتها هناك ضعف تواجد الثقافة العربية، وعليه أنشأت بدافع غيرتها على عروبتها وهاجس قضيتها مشروع« بروتا» لنشر وترجمة الثقافة والآداب العربية إلى العالم الناطق بالانجليزية وبدأت من خلاله مد جسور الثقافة العربية إلى الولايات المتحدة ودول الغرب.
ومشروع « بروتا» الذي أسسته عام 1973 يعتمد على ترجمة الآداب والثقافة العربية إلى اللغة الانجليزية، أما مشروعها الآخر« رابطة الشرق والغرب» فأسسته في أواخر الثمانينات بهدف جمع أدباء الغرب من ذوي الأصول العربية، وكلاهما مبادرة اعتمدت منذ تأسيسها وحتى يومنا هذا على جهود فردية، علما بأن ورشات عمل « بروتا» تقام في منازل الأقرباء والأصدقاء.
وهكذا وبدافع المبادرة بدأت تلك الشاعرة العمل وإنجاز العديد من ترجمات القصص القصيرة والشعر والأدب العربي. ومع تبلور تجربتها حصلت على دعم من جامعة كولومبيا في نيويورك وبدأت بمشروع موسوعة الشعر العربي ونشره إلى جانب العديد من المشاريع الحيوية منها موسوعة الأدب الفلسطيني، ومجموعة المسرح العربي الحديث، إلى جانب إعدادها لكتاب جامع عن الحضارة العربية في الأندلس.
ومن خلال أعمالها سلطت الضوء على منجزات الحضارة العربية وساهمت في إزالة التعتيم الإعلامي حولها. وتقول إنها حرصت دائما على التعامل مع أكاديميين من العالمين الغربي والعربي. إذ تتم الترجمة من قبل أكاديمي عربي يجيد اللغة الانجليزية ومبدع في ذات المادة المترجمة، أي على من يترجم الشعر أن يكون شاعرا.
وبعد الترجمة الأولى ينتقل العمل إلى الأكاديمي المبدع الناطق باللغة الانجليزية لتدقيق اللغة مع الحفاظ على روح القصيدة الشرقية، وتأتي المرحلة الأخيرة التي تراجع فيها الأستاذة سلمى العمل كأسلوب وتعبير ولغة زيادة في الدقة والإتقان.
وتقول بشأن اختيار من تتعاون معهم: « إن تواجدي الدائم في الأوساط الأدبية في الولايات المتحدة وبريطانيا وتواصلي مع الكتاب المبدعين في كلا البلدين، ساعدني على إقناعهم بالمشاركة في العديد من مشاريع الترجمة» ، كما شكلت مقدماتها ودراساتها النقدية والتحليلية للكتب المترجمة قيمة إضافية، ساهمت في التعريف بالأعمال وسهولة تلقيها وفهمها من قبل القارئ الغربي.
كما أغنى تناولها للأدب العربي بمختلف مراحله وأجناسه المكتبة الغربية والعربية، وساهم في تكوين صورة شمولية عميقة لحضارة وثقافة العرب بالإضافة إلى دراسات شاملة ووافية عن أبرز الأدباء والشعراء العرب في كل مرحلة وعهد. وتضيف أنها تتحاشى في مقدماتها جفاف الموضوع من خلال إضافة لمساتها الشخصية التي تعكس انطباعاتها في إطار نقدها الموضوعي، مع حرصها على تقديم سيرة ذاتية للأدباء الذين تتناول أعمالهم.
وتؤكد بأن المصداقية التي اكتسبتها في التواصل مع تلك الجامعات وغيرها من الهيئات والمنظمات، أتت ثمرة لجهودها في إتقان العمل ودقة الإنجاز مع الاعتماد على البحوث والمراجع الأكاديمية وليس كما هو سائد في العالم العربي الذي يعتمد على الثقافة السماعية كمرجع له.
وأكدت الدكتورة سلمى الخضراء الجيوسي أنها «تملك ميزتين لم يدرك القائمون على الثقافة في العالم العربي أهميتهما، أولهما قدرتي على الاتصال والتعاون مع كبار الأدباء الناطقين باللغة الانجليزية من الغرب والشرق، وثانيهما استعداد أكبر وأهم دور النشر في الغرب للتعاون معي على الدوام، اعتمادا على مصداقيتي في العمل، وهو أمر لا تحققه أو تبلغه مساعي وجهود العديدين على مدى سنوات»، وأضافت: « لو حققت مساندة كمؤسسة لكنت قد أنجزت ما لا يقل عن أربعة أضعاف إنتاجي».
الجدير بالذكر أن الدكتورة سلمى الخضراء الجيوسي حصلت على عدة مواقع زمالة دراسية لانجاز مشاريع محددة مثل «زمالة من جامعة مشيغان» وكذلك «زمالة الفولبرايت» في سوريا والأردن وفلسطين.
السيرة الذاتية
* سلمى الخضراء الجيوسي
* تعلمت في المدارس الخاصة في القدس
* تخرجت من الجامعة الأميركية في بيروت تخصص لغات
* تزوجت من دبلوماسي أردني وعاشت في عدد من البلدان
* حصلت على درجة الدكتوراه من جامعة لندن 1970
* نشرت عام 1977 أطروحتها عن مسار وحركة القصيدة العربية الحديثة في مجلدين
جوائز وتكريم
* حازت عام 2002 على جائزة من الكويت لخدماتها المتميزة على صعيد الثقافة العربية الإسلامية
* نالت عام 1996 جائزة من جمعية الخريجين العرب الأميركان في كاليفورنيا لخدماتها المتميزة نحو الثقافة العربية
* نالت عام 1990 جائزة إنجاز مدى الحياة من منظمة تحرير فلسطين لخدماتها نحو ثقافة الأدب الفلسطيني
* حازت عام 2008 على جائزة الإنجاز الثقافي والعلمي من مؤسسة سلطان بن علي العويس في دورته العاشرة 2006
رشا المالح



