منذ خمسة أعوام تعرض العراق إلى أبشع عملية تحطيم لذاكرته التاريخية ولأكبر جريمة مسح منظمة لشخصيته التراثية التي فاقت بشاعتها الاجتياح الوحشي والظالم.

هذا الاعتداء اللاخلاقي يشبه تماماً ما كانت قد تعرضت إليه بغداد منذ حوالي الألف عام عندما دخلها المغول واستباحوا دمها وذاكرتها، وألقوا بما تحتويه خزائنها ومكتباتها من كتب نفيسة ومخطوطات نادرة في مياه دجلة الذي اصطبغت ألوانه بألوان الحبر لعدة أسابيع، والفرق بين اجتياح العصر وذاك الاجتياح الذي تعرضت له بغداد عندما كانت حاضرة للعلم والثقافة على يد هولاكو هو أن الاجتياح المغولي لها لم يكن يرفع شعار نشر الديمقراطية وكان منسجما مع طموحاته الإمبراطورية والتوسعية.

أما الاجتياح الحالي الذي أوهم العامة والرأي العام أنه قادم لرفع الظلم ونشر العدل فإذا به يحمل معه اللصوص والقتلة الذين استباحوا ذاكرة العراق العملافة والمجرمين الذين نشروا الرعب والقتل والتقسيم الطائفي والقتل على الهوية، تماما كما فعلت إسرائيل في غزو لبنان في ثمانينات القرن الماضي عندما ارتكبت جريمة العصر بحرقها لمركز الأبحاث الذي كان يختزن الذاكرة الحية للشعب الفلسطيني.

مثلما جرى في بغداد الجريحة منذ خمسة أعوام تقريبا عندما ترك المجال أمام الغوغاء واللصوص والمجرمين والعصابات المنظمة لأن تقوم باستباحة الكنوز النفيسة التي كانت موجودة في هذا المتحف التاريخي المهم، وما لم تستطع حمله لجأت إلى تهشيمه وتحطيمه وأبادته بشكل وحشي يختزن الحقد الدفين مثلما فعلت طالبان عندما كانت تحكم أفغانستان بأثار باميان، كل ذلك كان يجري تحت مرأى قوات الاحتلال وعلى مسمع جنودها الذين جاءوا محملين بتباشير الديمقراطية والحرية للناس، فوق فوهات البنادق.

وهكذا كانت أبواب المتحف العراقي مشرعة لسلب ونهب الآثار الثمينة والكنوز النفيسة الموجودة فيه ما بين 8 إلى 12 ابريل 2003 تلك الأيام العصيبة التي شهدت اقتحام بغداد وسقوطها المريع، وطغيان الفوضى وانفلات مشاعر الثأر من عقالها.

الاتهامات .. والروايات

السؤال الأول والأهم، كيف بقي المتحف بلا حماية عدة أيام؟

ففي حين تقول الرواية الأميركية، إن قواتها التي دخلت بغداد لم تتلق أمرا من قيادتها بشأن حماية المتحف، إلا أن عدداً من المسؤولين يؤكد أن تمركز هذه القوات في محيط منطقة المتحف حال دون تدمير المكان، مع العلم أن الجميع شاهد على الشاشات التي كانت تبث بشكل حي ومباشر دخول وخروج العابثين والسارقين من المتحف في أمان تام!

أما الرواية البريطانية فيقوم بسردها كيرتس في مقال نشره في الملحق الثقافي لصحيفة الصاندي تايمز قائلاً: «لم يتبادر إلى ذهني للحظة واحدة أنه يمكن لقوات التحالف أن تكون مهملة إلى هذا الحد بشأن الإرث التاريخي، وأن لا تزعج نفسها بوضع حراسة على المتحف حينما اقتحمت دبابات قوات التحالف قلب بغداد. كانت صدمة كبيرة».

أما الرواية المحلية العراقية فيلخصها رئيس قسم الآثار في العراق آنذاك، جابر خليل إبراهيم الذي زار مقر القيادة الأميركية في فندق فلسطين ببغداد وقابل قائدها الذي ناشده تأمين حماية فورية للمتحف. إلا أن الدبابات الأميركية لم تتوجه إلى المتحف حسب قوله إلا بعد مرور 4 أيام على بدء عمليات السلب والنهب.

قائمة بالمقتنيات وتفاصيل السرقات

أما الكولونيل بوغدانسوس رئيس فريق التحقيق الأميركي الذي كلف بمهمة استعادة المسروقات فقد أكد في تقريره أن المتحف العراقي تعرض لثلاثة أنواع من النهب والسرقة : أولها عمل داخلي، ثانيها عمل محترفين من العصابات، وثالثها أفراد من حزب القاعدة. وأفاد التقرير أن عدد المسروقات من متحف بغداد الوطني وحده يقارب 000. 16 قطعة أثرية.

هذا على صعيد هوية لصوص المتحف، أما فيما يتعلق بنوعية التحف المسروقة فتم تصنيفها بالتعاون مع مسؤولي المتحف تبعا لمكانها في المتحف، وهي كالتالي:

في صالات العرض العامة: التي تضم التماثيل الضخمة والأفاريز، فقد سرق منها 40 قطعة وهي الأكثر أهمية وقيمة. تم استعادة 13 قطعة منها حتى يناير 2005 وتضم إناء الوركاء النذري وإن كانت مهشمة إلى 14 قطعة وكذلك قناع الوركاء ومنحوتة باسيلكي. في الطابق الأرضي: تم سرقة الغرف، ولم تظهر الأبواب الخارجية الحديدية للغرف أي دليل للاقتحام. وتقدر عدد المسروقات منه بما يقارب 100. 3 قطعة التي سبق وجمعت من مواقع أثرية (أوعية، ومرطبانات وقطع فخارية)، واستعيد منها 000. 3. وهي سرقات عشوائية لا تنم عن فهم أو تقدير لقيمة القطع.

في البهو: تشير السرقات فيه إلى عمل داخلي، إذ حاول اللصوص سرقة ما خف حمله وغلى ثمنه، وهي التحف التي خطط لحفظها في المكان الأمثل لسرقتها. ومن الغرف الأربعة في البهو، فإن الجزء الوحيد المخرب هو زاوية في أقصى غرفة الخزائن، كان فيها ما يقارب من 100 علبة صغيرة تضم أساور وخرز ومجوهرات، وتشير الأدلة إلى أن مفاتيح الخزائن كانت بحوزة اللصوص والتي سقطت منهم سهوا في الظلام. ونظرا لفقدانهم المفاتيح فقد سرقوا 000. 10 قطعة صغيرة كانت في أكياس بلاستيكية على الأرض، وتم استرجاع 500. 2 قطعة منها.

وفيما يتعلق بسرقات البهو قال د. دوني جورج مدير عام الدراسات بالهيئة العامة للآثار والتراث في العراق آنذاك خلال مقابلته مع محطة الجزيرة في 16 يونيو 3003، «من دخل المتحف ناس منظمون معهم قاطعات للزجاج، مرُّوا مرور الكرام أمام النسخ والآثار الجبسية الموجودة في المتحف، ثم كسروا أبواب الحديد في البهو ودخلوا المخازن وأخذوا قطعا أثرية دقيقة صغيرة غالية القيمة. كما عثرنا داخل الممرات على مجموعة مفاتيح ليست مفاتيحنا، وهذا يعني أنهم كانوا منظمين».

وقال كيرتس البريطاني الذي زار المتحف بعد نهبه على رأس وفد إنه «تم تحطيم العديد من المعروضات حتى أنه في بعض الأمكنة كانت الأرض مغطاة بسجادة كثيفة من الزجاج المهشم. وجميع مكاتب مباني المتحف البالغ عددها 120 مكتبا قد تم اقتحامها وتدمير ما فيها من أجهزة وأثاث وملفات كمن يعد لحريق. ومن الواضح دخول اللصوص إلى غرف المخازن، لكن لم يكن حتى وصولنا قد دخل أي من المسؤولين لتقدير الخسائر».

ويؤكد كيرتس على وجود هامش من الإهمال ولكن ما من دليل على الخيانة، ويوضح أنه تم في المؤتمر العاجل في 29 أبريل في المتحف البريطاني توزيع قائمة بأهم المفقودات. ثم قام بعد ذلك بجولة تفتيش مع فريق صغير من الأمناء والمحافظين في 25 يونيو 2003 للقيام بتقديرات احتياجات الصيانة مع وضع خطة طويلة الأمد لها.

حالة استنفار .. وخطة الاسترجاع

بعد مضي أيام من إعلان التقرير، أرسلت الولايات المتحدة فريقا من عملاء الاستخبارات الأميركية (إف بي أي) للبحث عن المقتنيات المسروقة. كما نظمت اليونيسكو اجتماعات طارئة لخبراء الآثار، أحدها عقد في باريس في 17 أبريل 2003 للتعامل مع مرحلة ما بعد السرقة وآثارها على عالم الفن وسوق الآثار. وتم وضع مقترح لمشروع استعادة آثار متحف العراق الوطني حتى لو تطلب الأمر مئات السنين. وبدلا من اعتماد قانون للعقوبات بشأن تداول المسروقات الأثرية، كانت المجموعة تبحث شأن استعادة المفقودات وذلك من خلال الإجراءات التالية:

إقامة كتيب على موقع إلكتروني شامل لجميع القطع الخاصة بالمتحف، وتصميم أضخم موقع افتراضي لمتحف بغداد يسهل الوصول إليه من قبل العامة عبر الانترنت وتصميم عمل ثلاثي الأبعاد على موقع المتحف الالكتروني بهدف جمع التبرعات، وأقامة مركز معلومات في الموقع الافتراضي لتطوير الوعي الاجتماعي الثقافي بالقيمة التاريخية للآثار.

وفي العشرين من شهر ابريل أي بعد أسبوعين على جريمة نهب المتحف وضع الكولونيل الأميركي ماثيو بوغدانسوس، نظاما أمنيا على مبنى المتحف ونسق بالتعاون مع سلطات المتحف لأخذ بيانات المفقودات التي تم توزيعها على حرس الحدود والجمارك والانتربول وخبراء الآثار في العالم، ونشر إعلانا في العراق مفاده «إن أعدت شيئا للمتحف» فإن السؤال الوحيد الذي سيطرح عليك هو «هل ترغب في كوب من الشاي؟».

وقد ظهر العديد من القطع المسروقة في الولايات المتحدة وسويسرا واليابان وعلى الموقع الالكتروني إي باي. ومن ضمن الذين تم توقيفهم لنقلهم بعض المسروقات إلى الولايات المتحدة صحافي ومصور من صحيفة فوكس نيوز. كما تم إيقاف طالب عائد من ساحة الحرب في مطار جون كيندي العالمي حيث كان بحوزته 3 قطع أثرية من الأختام الأسطوانية.

وبعد مضي أكثر من الشهرين أعلن مسؤولون أميركيون عن استعادتهم لما يقارب من 000. 40 مخطوط و700 قطعة أثرية، وذلك من قبل عملاء جمارك الولايات المتحدة الذين تعاونوا مع خبراء المتحف في العراق. كما صرحت قوات التحالف في الشهر التالي باستعادة بضع عشرات من القطع الأثرية الخاصة بصالات المتحف، بالإضافة إلى 000. 10 قطعة صغيرة وأغلبها مشظى.

وهكذا تم استعادة نصف المسروقات التي نهبت وتم الاحتفاظ بها في دول أخرى إلى أجل غير مسمى أو تم إعادتها إلى المتحف، وأعلن وزير السياحة والآثار العراقي محمد عبّاس منذ أسبوعين أن بلاده استعادت حتى الآن 500. 8 من أصل 000. 15 قطعة من الآثار النفيسة التي نهبت وهربت خلال السنوات الخمس الماضية. وطلب من دول أوروبية وعربية أن تحذو حذو سوريا والأردن في المبادرة لإعادة مقتنيات مسروقة ضبطت على أراضيها. أما المجموع الإجمالي للقطع الأثرية المسروقة بما فيها الـ 12 ألف موقع أثري بحسب أرقام رسمية هو 500. 23 قطعة أثرية.

سرقة حضارات الرافدين

لم تنحصر عملية نهب ذاكرة العراق على المتحف في بغداد فقد كانت كل المواقع التراثية في العراق بأسره مستباحة ومعرضة للنهب المنظم والمدروس على يد عصابات محترفة، فقد اتهم علماء آثار بريطانيون القوات الأميركية والبريطانية بإهمال حماية المواقع الأثرية مقابل حرصهم على حماية وتأمين حقول النفط.

وأخطر عمليات السطو للمواقع الأثرية حدثت في الشهر الأول من إسقاط النظام، تتمثل في هجوم قام به 200 مسلح بمدافع رشاشة على مدينة نمرود الأثرية ومتحفها في نينوى شمال بغداد ونهب محتوياتها وتقطيع تمثال ثور ذي جناحين في موقع شورباك بالمحافظة ذاتها. وجدير بالذكر أنه لم يرد ذكر هذه السرقة على لسان أي من المسؤولين الكبار من خارج الدولة.

واعترف كيرتيس إلى أن المشاكل التي تواجهها المتاحف العراقية الأخرى والمواقع الأثرية أكثر مأساوية. فمن البوابة التاريخية للملك أشورنا سيربال الثاني (883 - 958( ق م في المتحف، تم نزع القطع البرونزية منها مما تسبب في إصابتها ببعض الخراب أيضا. أما في نينوى فكان الأمر كما يذكر مريعا حيث سرق سقف قصر سيناشريب من قبل اللصوص تاركين المنحوتات أسفله معرضة لعوامل الطبيعة.

تغريد خارج السرب

الخطوة اللاحقة بعد نهب المتحف الوطني العراقي كانت المؤامرة الكبرى التي تستهدف أثار مدينة أور التي تعتبر (مقر ولادة سيدنا إبراهيم عليه السلام) وكشف كيرتس عن تعاون عدد من علماء الآثار مع قوات التحالف ونقلهم لألواح حجرية عليها نقوش كتابة قديمة من موقع أور في مقر القاعدة الجوية، إلى متحف المنطقة في مدينة الناصرية دون تصريح من أمناء المتحف الوطني. مؤكدا أن هذا الأمر غير مقبول ومخالف للقانون.

يترك الوضع الأمني المضطرب تأثيره على أداء العديد من الدول التي كانت تنوي تمويل ودعم المشاريع الخاصة بصيانة وإعداد متحف بغداد والمواقع الأخرى إلا أن اليابان وإيطاليا هما الدولتان الوحيدتان اللتان ساهمتا في تمويل والصيانة، وعلى الرغم من الوضع السوداوي إلا أن هناك مؤشرات إيجابية تشي بالتفاؤل لإعادة ما تم تخريبه فمعظم الإيقونات وعددها 40 التي سرقت من صالات العرض في المتحف، تم استعادتها باستثناء سوار يعتبر تحفة عاجية. كما أن نصف الـ 000. 16 قطعة أثرية المسروقة من المخزن، تم استعادتها باستثناء الأختام.

كما أن متحف بغداد أبرم عددا من الاتفاقيات مع عدد من الهيئات الدولية المهتمة بالآثار للتعاون والمساعدة لترميم الخراب الذي لحق به، وإعادة ترميم الذاكرة التي تعرضت للمسح والنهب.

تاريخ متحف العراق الوطني

أسس المتحف العراقي عام 1923 وشغل مساحة صغيرة في مبنى السراي القديم. وبعد مضي سنوات، تم جمع عدد كبير من الأثريات من مواقف حفريات الآثار في كافة أنحاء العراق، وعليه انتقل المتحف إلى بناء خاص في شارع المأمون. تم تصميم وتشييد مبنى ضخم يحمل المواصفات العالمية للمتحف في منطقة علاوي الحلة في الصالحية. تم افتتاح المبنى الجديد في 9 نوفمبر 1966، وتبلغ مساحة المبنى 000. 45 متر مربع وإجمالي المساحة الخارجية التي تشمل المباني التابعة للمتحف والحدائق المحيطة به 500. 11 متر مربع.

نهب العراق على مر التاريخ

أبدى البروفسور الفرنسي جان- لوي هويو حافظ الآثار في المتاحف العراقية والذي يشغل منصب مدير المعهد الفرنسي للآثار في الشرق الأوسط خلال محاضرته التي ألقاها في قاعة متحف الجامعة الأميركية في بيروت في عام 2003، سخرية واضحة مما تروجه وسائل الإعلام والصحف العالمية عن سرقة الكنوز الأثرية في مدينة بابل، وقال «كنوز بابل موجودة في برلين منذ عام 1917 وليس صحيحا أنها سرقت حديثا» ويقول أن حائطا أثريا مهما في بابل قد أعيد إعماره عام 1964، أما الأصلي فموجود في برلين منذ زمن طويل؟ ومثله الكثير من الآثار العراقية.

استخفاف رامسفيلد بالكارثة

حاول دونالد رامسفيلد الذي كان يشغل منصب وزير الدفاع الأميركي التخفيف من الكارثة والاستخفاف بها حينما انتقدته وسائل الإعلام بسبب سرقة متحف بغداد تحت أنظار القوات الأميركية، وقال أن الإعلام بالغ في تصوير حجم الأضرار، «إن الصور التي تشاهدونها على التلفزيون، معادة عدة مرات. أنتم ترون الصورة ذاتها لشخص خارج من المتحف وبيده إناء، لأكثر من عشرين مرة. وبذا تتساءلون قائلين يا إلهي من أين كل تلك الأواني؟» وبعد أن ضحك أضاف «هل من الممكن وجود هذا العدد من الأواني في جميع المنطقة؟».

كتب عن نهب آثار العراق

كتاب «كارثة! نهب وتدمير ماضي العراق»، إعداد جيوف إمبرلنغ وكاثرين هانسون وصادر من معهد الاستشراق في جامعة شيكاغو وكتاب «تدمير تراث العراق وتصفية علمائه»، لحسن خليل غريب وكتاب «لصوص متحف بغداد» تأليف الكولونيل بوغدانوس. وكتاب «الآثار العراقية- أكبر كارثة ثقافية منذ أكثر من خمسة قرون»، لأسامة الجوهري، وكتاب «نهب متحف العراق، بغداد، وكتاب «ناهبو بغداد»، للمؤلف جيرارد، وكتاب «نهب بغداد»، للصحافي فيليب فلاندران.

رشا المالح