«ريش، الفيشاوي، الجريون، قشتمر، زهرة البستان» أسماء لعدد من المقاهي في العاصمة المصرية «القاهرة» اشتهرت بدورها الثقافي.
وعلى هذه المقاهي ظهرت إبداعات كُتَّاب كبار مثل نجيب محفوظ، يحيى حقي، إحسان عبدالقدوس، إبراهيم أصلان، صنع الله إبراهيم، وغيرهم ممن حوّلوا هذه المقاهي إلى منتديات ثقافية عامرة. واشتهرت بعض هذه المقاهي بارتباطها بأديب معين، كما اشتهرت بعضها بأنها مكان لتجمع المبدعين في لون أدبي بعينه مثل الشعر أو الرواية، كما تحوّلت بعض المقاهي الثقافية إلى أماكن لالتقاء الأدباء والمبدعين العرب المقيمين في القاهرة أو الزائرين لها، لكن ما الذي يجعل المبدع يفضل أحد المقاهي على أخرى؟ وما أهمية المقهى بالنسبة للمبدعين؟ وهل لا تزال المقاهي الثقافية هي مقصد ومكان التقاء المبدعين والُكتَّاب؟ أسئلة طرحناها على عدد من الأدباء والكتاب.
ـ الكاتب عبدالعال الحمامصي يرى المقهى مركزاً ثقافياً مهماً لبناء الرأي العام بين المثقفين، ومن ثم التأثير في الرأي العام للمجتمع حيث يلتقون يومياً أو أسبوعياً لمناقشة هموم الأدباء والاطلاع على أحدث إصدارات الكُتب، ويشير الحمامصي إلى أن كثيرًا من إبداعات نجيب محفوظ ظهرت على هذه المقاهي، كما كانت هذه المقاهي مركزاً لانطلاق أعمال مبدعين آخرين من بينهم أمل دنقل، وصلاح عبدالصبور. ـ أما الشاعر محمد إبراهيم أبو سنة فيفضل الجلوس على مقهى المجلس الأعلى للثقافة الكائن بدار الأوبرا المصرية، موضحاً أنه يمتاز بانفتاحه على الأجيال الجديدة، فضلاً عن قربه من شتى المؤسسات الثقافية واعتباره مقهى متخصصاً للمثقفين، وأشار إلى أنه ابتعد عن كثير من المقاهي الشهيرة بعد أن تحوّلت إلى مطاعم سياحية، كما لفت أبو سنة إلى أن المقاهي الثقافية ازدهرت مع الاستعمار البريطاني لمصر حيث كان المثقفون يلتقون عليها للتفاعل مع قضايا وطنهم.
سماسرة عقارات: ـ الناقد مدحت الجيار أعرب بدوره عن تفضيله لمقهى ريش لما له من تاريخ عريق مع المثقفين، مؤكداً أنه تعود أن يلتقي بكبار الُكتَّاب والمبدعين المصريين والعرب على هذه المقهى، ولكن في الفترة الأخيرة اعتاد بعض المبدعين ممن لا يملكون أدنى موهبة على الجلوس على هذا المقهى، والادعاء بأنهم شعراء لمجرد أنهم يجلسون عليه بجوار مبدعين حقيقيين آخرين. * أما الروائية المصرية أمينة زيدان فترى أن ملامح المقهى الثقافي تختلف حسب الفترة الزمنية، واحتياجات كل فترة، فالمقهى سابقا كان مفتوحا على الشارع، والمثقفون كانوا يجتمعون عليه بشكل دائم لرؤية بعضهم البعض، ومناقشة الأعمال الأدبية التي تم إصدارها، كما كانوا يقيمون قراءات لمنتجهم الإبداعي سواء من خلال أفكار جديدة أم نصوص مكتوبة، وهذا كل ما عرفته عن هذه المقاهي من جيل الستينات.
وتضيف: إن هذه المقاهي الآن لم تعد مناسبة بالمرة لجلوس الأدباء والمثقفين عليها وهذا يرجع ـ على حد تعبيرها ـ إلى تواجد فئات مختلفة غير المبدعين والأدباء يجلسون عليها أمثال سماسرة العقارات وأُناس ليس لهم علاقة بالثقافة والأدب، في ذات الوقت الذي يريد فيه المثقف أن يجلس في مكان هادئ ليمارس حالته الإبداعية اليومية.
للسائحين فقط
أمينة زيدان تفضل حاليا الجلوس في ورشة الزيتون أو أتيليه القاهرة كونها أماكن مازالت مخصصة للأدباء والمثقفين فقط، وتعرب عن حزنها لأن مقهى نجيب محفوظ تحوّل إلى مجرد مزار سياحي ومطعم، وبالرغم من أنه يحمل اسم نجيب إلا أنه لم يؤد وظيفة المقهى الثقافي كما كان في السابق بل أصبح فقط مزارا للسائحين من أجل التعرف على المكان الذي جلس عليه الأديب العالمي المعروف لديهم باعتباره جزءا من الثقافة والتراث العربي والعالمي.
* أما الكاتب سامي خشبة فيوضح في لقاء معه قبيل رحيله أنه ابتعد عن الجلوس على المقاهي منذ 30 عاما، لكنه سرعان ما يعود بذاكرته للوراء ويقول: إنه كان يجلس على مقهى ريش لأسباب عديدة من بينها انه في وسط القاهرة وكان قريبا من وسائل المواصلات، فضلا عن تجمع المثقفين والكُتَّاب عليه، كما كان يجلس أيضا على عدد من المقاهي من بينها مقهى البستان والنادي اليوناني، ومقهى «عبدالله» في مصر الجديدة.
اتجاهات جديدة
ويؤكد الشاعر سيد حجاب عزوفه عن الجلوس على المقاهي الثقافية منذ أكثر من عشرة أعوام، ويضيف:إنه على الرغم من أن كل شبابه قضاه على المقاهي الثقافية مثل ريش والجريون إلا أنه في الوقت الراهن لا يستطيع مسايرة المناخ الذي يسود هذه المقاهي، بالإضافة إلى الزحام الذي تتسم به بعض المقاهي لدرجة أن المبدع لا يمكن أن يمارس عمله اليومي كمبدع على هذه المقاهي، لكن حجاب يقول:«إن المقاهي الثقافية لا تزال تحتفظ بأهميتها لأنها تتيح للمثقفين الالتقاء والتعرف على الاتجاهات الجديدة في الأدب والتعرف على هموم الناس ».
المقهى المفضل
إن المقهى المفضل هو الذي يستطيع الإنسان ان يقابل فيه الأصدقاء مثل مقهى الفيشاوي، بالإضافة إلى عدد من المقاهي الأخرى بمنطقة باب اللوق بوسط البلد مثل الندوة والحرية والجريون، لأن هذه المقاهي تقع في وسط القاهرة، وتكون ملتقى للكثير من المثقفين والُكَّتاب.
داليا الدسوقي



