إن هذا الكتاب هو في الواقع محاولة يساهم فيها حوالي 20 باحثا تقديم البراهين على أن تركيا قد توصلت إلى إمكانية التوفيق بين الحداثة والديمقراطية وبين وجود إطار اجتماعي إسلامي. المساهمون يعالجون مثل هذا التوفيق بالتفاصيل الدقيقة كما يطرحون، بنفس التفصيل، المشاكل والتحديات التي تطرحها مثل هذه الحالة.

وتتردد في التحليلات المقدّمة فكرة أن تركيا قد أثبتت من خلال تجربتها التاريخية الحديثة أنه يمكن الجمع بين الحداثة الديمقراطية والتمسك بالعقيدة الإسلامية في إطار بنية سياسية علمانية. وإن مثل هذه التجربة يمكنها أن تمثل مساهمة حقيقية في مكافحة التطرف وتعزيز السلام على صعيد العالم كله. وهذا ما يتم التعبير عنه بـ «الطريق الثالث » لفتح السبيل أمام الديمقراطية.

النقطة الأولى التي يتم التعرض لها في إطار إعادة صناعة تركيا تتمثل في دراسة الإرث العثماني فتركيا، كما هو معروف، هي وريثة إمبراطورية كانت لها صولات وجولات في العالم على مدى عدة قرون ومثّلت القوة الحقيقية التي شكّلت التحدي الأكبر في مواجهة أوروبا المسيحية. وتركيا هي وريثة تلك الإمبراطورية، حتى ببعدها العقائدي، إلى أن أعلنها مصطفى كمال اتاتورك جمهورية علمانية في عشرينات القرن الماضي.

ومن ذلك الحين لا تزال البلاد تعاني من حالة مد وجزر بين بعدها الإسلامي المتجذر في المجتمع وبين بعدها العلماني على الطريقة التي أراد لها أن تكون على أساسها اتاتورك، وحيث أن الجيش يعتبر نفسه أنه المسؤول عن حماية السمة العلمانية للدولة. ولم يتردد في القيام بانقلاب عسكري عام 1980 بقيادة الجنرال كمال ايفرن، حسبما يتردد في العديد من مساهمات هذا الكتاب.

وبعد البحث في الإرث العثماني تتركز مساهمات هذا الكتاب حول دراسة الهوية التركية وطبيعة النزاعات التي تتخلل المجتمع التركي على أساس أنّها ذات أبعاد مدنية و اقتصادية و سياسية . كل هذه النزاعات كانت لها آثارها من حيث التحديات التي طرحتها على الديمقراطية التركية. ويحظى السياق العالمي وانعكاساته على تركيا باهتمام المساهمين في هذا الكتاب، لاسيما فيما يخص العلاقة بين بلاد كمال أتاتورك والقارة الأوروبية، أو بالتحديد أكثر بين تركيا والاتحاد الأوروبي.

وتتميز المساهمات في تأكيدها على ضرورة عدم الانضواء تحت لواء أي موقف من الموقفين المتطرفين حيال مجمل القضايا المطروحة، بما في ذلك مسألة الحجاب في الجامعات.

إن المشاركين يرون أن مثل هذه الثنائية الراديكالية في المواقف هي التي تؤدي إلى استمرارية المشاكل التي يواجهها المجتمع التركي.

ويؤكدون أنه بدلا من الدفع نحو التحرير الكامل أو المنع الكامل لأية ظاهرة تثير الخلاف، من الأفضل طرحها للنقاش بكل ما يمكن أن يترتب عليها من مخاوف، وذلك بغية التحضير الجيد للوصول إلى حلول لها وإلاّ قد تؤدي إلى صدامات غير محسوبة النتائج. الأوساط الجامعية يمكنها، كما يشار، أن تكون الإطار المناسب لمثل هذا النقاش المقترح. أما التغييرات الدستورية، إذا كانت مطلوبة، فهي من اختصاص البرلمانيين المسؤولين عن صياغة التشريعات. المهم أن لا تكون هناك استقطابات ثنائية .

ويتم في هذا الإطار أيضاً طرح مسألة الحريات الفردية التي يتعرض لها عدد من المساهمين في هذا الكتاب. وتتم الإشارة هنا إلى أن الدستور التركي لعام 1982، أي ذلك الذي تمّت صياغته في سياق الانقلاب العسكري لعام 1980 يحدّ كثيرا من الحريات الفردية .

بالتالي ينبغي للنقاش العام القائم في تركيا منذ سنوات حول إجراء تعديلات دستورية أن يذهب باتجاه تعزيز الحريات الفردية ، ذلك على أساس أنه يمكن الوصول إلى حلول لمختلف المشاكل المطروحة، الحجاب في الجامعات وغيره، في إطار قوانين تضمن حرية الاختيار الفردي ، ودون استثناء أية مسألة.

وعلى غرار التأكيد على حرية الاختيار الفردي يتم التأكيد أيضاً على حرية التعبير حيث يتم اعتبار أن البند 301 من القانون الجنائي التركي النافذ اليوم يحدّ منها كثيرا. ومن المسائل الأخرى التي يتم التأكيد على مركزيتها في مشروع إعادة صناعة تركيا هناك تلك المتعلقة بتدريس العلوم الدينية في المدارس وحرية هذه المدارس في الاختيار بهذا الخصوص، وهناك أيضاً المسائل المتعلقة بحقوق الأقليات القومية أو العقائدية.

وتحظى علاقة تركيا مع الاتحاد الأوروبي باهتمام المساهمين في هذا الكتاب، خاصة من حيث أنها تشير إلى تقسيم للمواقف بين القوى السياسية في تركيا يختلف إلى حد كبير عن التقسيم حيال العديد من المسائل الاجتماعية، فحزب العدالة والتنمية الحاكم ذو التوجه الإسلامي، هو بالأحرى من أنصار الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بينما تعلن شرائح علمانية وقومية عديدة تحفظها حيال مثل هذا الانضمام، باسم السيادة الوطنية.

وفي المحصلة النهائية يقدم هذا الكتاب «جردا» للتحولات التي عرفتها تركيا خلال السنوات الأخيرة والتي كان من نتيجتها أن البلاد قد دخلت في مسار تطوري لما يمكن أن يؤدي إلى إعادة صناعة تركيا .

ومن خلال التجربة التركية يتبنّى المساهمون في هذا الكتاب «نظرية سياسية» حول «الطريق الثالث» لتحقيق الحداثة والديمقراطية.

الكتاب: إعادة صناعة تركيا، العولمة والحداثات والديمقراطية

تأليف: فؤاد كايمان وآخرون

الناشر: لكسينغتون

لندن 2007

الصفحات: 300 صفحة

القطع: المتوسط

democracy

Fuat Keyman and

Remaking Turkey: globalisation، alternative

Lexington Books - London 2007

Lexington Books - London 2007