«تحويل مسار أميركا» كتاب عن اليمين الأميركي المحافظ قبل أي شيء آخر. وتأخذ تحليلاته صيغة تحقيق في قلب المجتمع الأميركي، أما أطروحته الأساسية فهي أن وصول اليمين الأميركي إلى السلطة في الولايات المتحدة الأميركية عام 2000 عبر انتصار جورج دبليو بوش في الانتخابات الرئاسية لا يمكن اختزاله إلى مجرد وجود هذه الإدارة الحالية و لا يمكن القول انه سوف ينتهي بالضرورة مع نهاية الفترة الرئاسية لهذه الإدارة.
ما تؤكده المؤلفة هو أن وصول اليمين المحافظ إلى السلطة إنما هو نتيجة مسيرة طويلة للمؤسسات الأميركية استمرّت عدة عقود من الزمن. كما تؤكد أنه في الوقت الذي ظلّ فيه اليسار الأميركي ممثلا بالحزب الديمقراطي، أسير حالة من التبعثر والتشتت كان لها أثرها الكبير على هيكليته التنظيمية، هذا إلى جانب تمسّكه بالأطروحات ذات الطابع الإيديولوجي، فإن اليمين استولى بناء على خطط مدروسة وبشكل منهجي على المواقع الإستراتيجية في جميع ميادين الحياة الاجتماعية.
وكان من نتيجة ذلك التخطيط و التصميم لدى اليمين الأميركي المحافظ أن جرى انعطاف حقيقي في نمط التفكير، بل وفي نمط العلاقات، داخل المجتمع الأميركي. فعلى الصعيد الاقتصادي عرفت بداية هذا القرن الحادي والعشرين سيطرة كاملة للأفكار اللبرالية المتطرفة التي أخذت تسمية اللبرالية الجديدة ، على حساب القيم التي كانت قد سادت في أميركا حتى عدة عقود خلت. إنها بالتحديد القيم التي أنتجتها أطروحات عصر التنوير والتي تشملها المؤلفة تحت عنوان واحد هو قيم التقدم .
وبالتوازي مع هيمنة اللبرالية الاقتصادية جرى تهميش كبير للمسائل الاجتماعية ـ الغريبة عن قوانين السوق اللبرالية . وكذلك غابت كثيرا أيضا المسائل المتعلقة بحماية البيئة إذ ليس صدفة أن تكون الولايات المتحدة الأميركية على رأس البلدان التي لم توقّع الاتفاقيات الخاصة بمكافحة التلوث وسخونة الأرض. هذا في الوقت الذي تمثل فيه أيضا رأس قائمة البلدان مصادر التلوث .
و منعطف آخر بدأت ملامحه بالتشكل قبل عدة عقود أيضا، ويتمثل في صعود قوة الأصولية الدينية في الولايات المتحدة الأميركية.
وهنا لعبت مجموعات الضغط ذات المشارب المختلفة دورا هاما في هذا الإطار إلى جانب المؤسسات و الأحزاب السياسية و الحركات الدينية ومختلف الكنائس .
ولا تكتفي مؤلفة هذا الكتاب بتحليل الخلفية التي قام عليها تحالف عريض ضمّ اللبراليين الجدد والمحافظين الجدد و اليمين الديني ، ولكنها تقدّم أيضا رؤية مستقبلية لما ستكون عليه الولايات المتحدة في السنوات القادمة. هكذا تقول مثلا حيال حرب العراق: إذا فاز الديمقراطيون في الانتخابات الرئاسية لعام 2008، كما تدل مؤشرات كبيرة، فإن حرب العراق سوف تغدو بعد عامين أو ثلاثة أعوام هي حربهم، إذ ليس لديهم أية فكرة للحل عرضوها على الشعب الأميركي حتى الآن. ولا أزال أتذكّر حالة الاضطراب التي رافقت الخروج الذي تأخّر كثيرا من الفيتنام .
ولا تتردد المؤلفة في هذا السياق عن القول أن الخروج من العراق قد يتطلب فترة انتقالية، وربما إلى مشروع مارشال ، مثل ذلك الذي عرفته أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، بحيث تشارك فيه بلدان الاتحاد الأوروبي وبلدان حوض البحر الأبيض المتوسط، وذلك على خلفية الاعتراف أن الحرب الأميركية في العراق خلال ربيع عام 2003 كانت خطا ينبغي دفع ثمنه.
وترى في هذا السياق أيضا أنه يمكن لأوروبا، إذا امتلكت الإرادة، أن تمثّل النموذج ـ الموديل ـ المقابل للولايات المتحدة وللصين أيضا، لكن ليس هناك أية مؤشرات تدل على أنها تسير في هذا الاتجاه.
وتقدم سوزان جورج في محصلة تحليلاتها حول صعود اليمين المحافظ في الولايات المتحدة مُمثلا أساسا بالحزب الجمهوري قراءة للانتخابات الأميركية القادمة، تقول فيها أنه رغم وجود رئيس مربك مثل جورج دبليو بوش ورغم شن حرب لا تحظى بالتأييد الشعبي وواقع الانحسار الاقتصادي الذي تشهده أميركا، فإن الحزب الجمهوري، رغم هذا كله، لم يخسر مسبقا الانتخابات الرئاسية القادمة . لماذا؟ من جهة كون أن اليسار لا يملك مشروعا بديلا نقديا وذا مصداقية ، كما تقول المؤلفة، ومن جهة ثانية بسبب العمل السياسي والإيديولجي الهائل الذي قام به اليمين منذ ثلاثين سنة، كما تشرح على مدى صفحات هذا الكتاب.
وترى أن أكبر مظاهر حرف المسار بطريقة التفكير في أميركا، بناء على حركة شرع بها اليمين منذ نهاية الحرب العالمية الثانية للاستيلاء على السلطة، يتمثل في تحويل النقاشات عن الخيارات الاقتصادية والسياسية الكبرى كي تتركز على المسائل الرمزية والعقائدية والأخلاقية.
ولا تتردد المؤلفة في القول أن مثل هذه الانعطافة اليمينية لا تقتصر في الواقع على الولايات المتحدة الأميركية وإنما تشمل أيضا مختلف البلدان الغربية.
ولعل من أهم ميزات هذا الكتاب أنه يتسم بقدر كبير من الوضوح وتقديم وجهات النظر بكل تبايناتها ، بالإضافة إلى صفة التوثيق الدقيق التي يتسم بها.
الكتاب: تحويل مسار أمريكا كيف غيّر اليمين الدنيوي والديني طريقة التفكير الأميركية
تأليف: سوزان جورج
الناشر: بوليتي برس
كامبردج 2008
الصفحات: 240 صفحة
القطع: المتوسط
Hijacking America : how the secular and religious right changed
what Americans think
Susan George
Polity Press
Cambridge 2008
P.240
محمد الحمامصي
