في«الإبحار من نقطة إلى أخرى» يعود غور فيدال إلى الحديث عن محطات حياته وعن النقاط التي استوقفته على مدى ما يزيد على 40 سنة. هذا ما يعبّر عنه بالقول: إنني بكتابي هذا العرض الموجز عن ذكريات حياتي، بعد كتابة الجزء الأول عن السنوات السابقة، أحسست وكأنني أمام تلك الرؤوس والصخور في البحر التي كان علينا أن نجتازها بواسطة بوصلة جعلها الزمن غير صالحة للتوجيه .
من خلال هذا التشبيه جاء تعبير «الإبحار من نقطة إلى أخرى» كعنوان للكتاب، ومن خلاله أيضا أراد صاحب هذه المذكرات أن يشير إلى أن حياته كانت دائماً محفوفة بالمخاطر ، أو كما يصفها حياة متحركة .
كان الجزء الأول من مذكرات غور فيدال قد عرف طريقه إلى النشر عام 1995، وهو يؤكد في السطور الأولى من هذه التتمة أنه أحس بـ الحاجة إلى استكمالها ولـ «العودة نحو أميركا التي شهدت سنوات طفولته» وهو اليوم في الثانية والثمانين من عمره. وهو لا يزال يحتفظ بـ «شبابه»، فإذا كان مبضع أحد الجراحين قد أعطب ركبته فإن اليد التي تمسك القلم لا تزال سليمة.
الملاحظة الأولى في هذا «الإبحار من نقطة إلى أخرى» هي أن مؤلفه لم يتقيّد أبدا بالتسلسل الزمني للأحداث التي يتعرض لها، بل يؤكد على «حرية حركته» في إطار الزمن «صعودا» و«هبوطا». إنه يعود إلى أحداث صغيرة، «حوادث»، يصفها إلى جانب بعضها البعض دون أي تنسيق لتشكل في النهاية مشهدا منسجما يربط بينه خط ناظم هو أن صاحبها اسمه غور فيدال، وأن إطارها هو أميركا التي تجسّد «عالما كاملا».
إن غور فيدال يتعرّض في هذه المذكرات إلى ميادين و عوالم متنوعة. إنه يتحدث عن الأدب والتلفزيون والمسرح والسينما والسياسة والمجتمع الدولي وعن أصدقائه وخصومه وعن جون جاكلين كندي وكثر آخرين. ولعلّ من أكثر الصفحات إثارة للمشاعر في هذا الكتاب تلك التي يخص بها موت صديقه لخمسين سنة كاملة هوارد اوستن . ومن خلال موت هذا الصديق يقدم غور فيدال رؤيته لمفهوم الموت والحياة. إنه يؤكد على حتمية ساعة الوداع مهما كانت الحياة رغيدة وهانئة.
ويبقى عالم السينما هو الذي تشرّب منه غور فيدال أكثر من غيره وهو الذي أعطاه وأخذ منه الجزء الأكبر من وقته. والأحداث التي يذكرها عن هذا العالم كثيرة، ولكن لها غالبا دلالتها البعيدة . هكذا يذكر مثلا كيف أنه قد طُلب منه إعادة النظر في سيناريو فيلم «بن هور» الشهير.
فوجد نفسه مضطرا إلى حذف مشهد تبدو فيه حبّات من الطماطم في إحدى الاحتفالات ، ذلك أن إيطاليا، جيث تدور أحداث الفيلم، لم تعرف زراعة الطماطم إلا بعد عصر النهضة.
ويتحدث غور عن إبحاره بين هوليوود وبرودواي ونيويورك وروما حيث تعرّف على أكبر مشاهير عالم السينما في النصف الثاني من القرن العشرين، وليس أقلهم شأنا فريدريكو فيلليني وأرسون ويلزوإيبيا كازان وفرنسيس فورد كوبولا وغريتا غاربو.. وغيرهم.
إن صاحب هذه المذكرات يغيّر بمهارة فائقة المواضيع التي يتطرق إليها، ويعرف كيف ينقل قارئه من حافة الدموع أحيانا إلى الضحك وبفارق زمني بسيط. هكذا تختلط أحيانا ذكريات الطفولة والحياة في كنف الأسرة وما تعرفه من مفارقات مع الحديث عن مشاهير أو عن مسائل كبرى. ومن المألوف لديه مثلا الانتقال من حكاية عادية إلى حادثة اغتيال الرئيس الأميركي الأسبق جون كندي.
ولعلّ من الأكثر متعة في قراءة صفحات هذا الكتاب هو ما يقدمه المؤلف من توصيفات« لأولئك الذين عرفهم عن قرب.
هكذا يرى أن فريدريكو فيلليني كان مشرّبا باللطف وتنسي وليامز عصفورا مجيدا والممثل بول نيومان مطاردا باستمرار من النساء ونورييف، راقص الباليه الشهير، مجسّدا للرعب من الايدز حيث كان المؤلف قد عايشه عن قرب وهو في الفترة الأخيرة من صراعه مع هذا المرض القاتل.
وما تؤكد عليه هذه المذكرات هو أن غور فيدال بقي محافظا على حبه، بل حماسه، للحياة وعلى حضوره الذهني المستمر، حيث يمضي الساعات الصباحية لكل يوم في الكتابة حيث يمضي سنوات تقاعده على هضاب لوس انجلوس.
أما في فترات بعض الظهر فإنه يلجأ، كما يشير، في أغلب الأوقات إلى قراءة أعمال الفيلسوف الفرنسي مونتين الذي عاش في القرن السادس عشر. ويؤكد بأشكال مختلفة أنه كان من بين المفكرين الأكثر تأثيرا في حياته وفي مفاهيمه حيال الحياة والموت.
لكن بالمقابل يبدو بوضوح أيضا أن غور فيدال، وهو من آخر الكبار بين كتّاب جيل ينتهي ، يواجه فكرة النهاية أو الوداع الأخير الذي يلوح في أفق الأيام الأخيرة من العمر. وما تفرضه الشيخوخة ويدركه الجسد ، ولكنها الفترة التي تتسم بالحكمة أيضا. وهو يقول أنه كان قد رأى أشياء كثيرة قد انتهت وأنه يعرف بشكل أفضل الأشكال التي تأخذها الحياة.
إن المرء يعرف الموت ويقترب منه . أما فترة الشباب فهي غريبة عن فكرة نهاية الحكاية الشخصية . إنه يعود بكثير من المرارة في هذا السياق إلى رحيل صديق سفره ، كما يصفه، هوارد اوستن الذي عانى من فترة احتضار قاسية مما جعل الظلام يخيّم حوله، وغدا السواد هو لون أيامه.
«الإبحار من نقطة إلى أخرى» لا يصفه مؤلفه أنه سيرة ذاتية وإنما بقوله: إني أتذكر . ذلك أنه، ومثلما كان مع رفاقه أثناء الحرب أمام جزر صخرية ولم يكن المناخ يسمح بتحديد خط سير مسبق ، لم يكن هو يعرف أيضا ماذا سيقدم له إبحاره في طيّات الذاكرة مما عرفه خلال ما يزيد عن 40 سنة من حياته.
صفحات فيها كل الألوان من السياسة والحرب إلى حماقات الحياة اليومية.
الكتاب: الإبحار من نقطة إلى أخرى، مذكرات 1964- 2006
تأليف: غور فيدال
الناشر: فنتاج بوك
نيويورك 2007
الصفحات: 288 صفحة
القطع: المتوسط
